السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٦ - باب الهجرة إلى المدينة
و في كلام ابن دحية: و لا يمرّ على لسان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من ضروب الرجز إلا ضربان منهوك و مشطور؛ فالمنهوك:
أنا النبي لا كذب
و المشطور:
هل أنت إلا أصبع دميت
و قيل البيت الواحد لا يكون شعرا، على أنه قيل: إن الرجز ليس من الشعر عند الأخفش خلافا للخليل: أي فإن الأخفش احتج على أن الرجز ليس بشعر رادا على الخليل و من تبعه القائلين بأنه من الشعر حيث قال: لأحتجنّ عليهم بحجة إن لم يقروا بها كفروا: لم كان شعرا ما جرى على لسان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لأن اللّه تعالى يقول وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩] هذا كلامه. قال في النور:
و الصحيح أنه شعر أي موافقة للخليل، و قد علمت أن ما جرى منه على لسانه (صلى اللّه عليه و سلم) ليس شعرا لعدم قصده فليتأمل.
و قد نقل الماوردي من أئمتنا أنه كما يحرم عليه قول الشعر أي إنشاؤه، يحرم عليه روايته أي دون إنشاده متمثلا.
و فرق بعضهم بين الإنشاد و الرواية، بأن الرواية يقول: قال فلان كذا؛ و أما إنشاده متمثلا، فلا يقول ذلك هذا كلامه.
و فيه أنه قال لما قيل له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول إلى آخره. و قال للعباس بن مرداس: أنت القائل إلى آخره. قال ذلك البعض. و كان الفرق بين الرواية و الإنشاد أن في قوله قال فلان فيه رفعة للقائل بسبب قوله، و هذا متضمن لرفع شأن الشعر، و المطلوب منه الإعراض عن الشعر من حيث كونه شعرا.
و فيه أن الصديق قال له عند كل من الرواية و الإنشاد، لست برواية كما تقدم، و عن الخليل: كان الشعر أحب إليه (صلى اللّه عليه و سلم) من كثير من الكلام.
أي و قد يقال لا يخالف هذا ما تقدم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: كان أبغض الحديث إليه (صلى اللّه عليه و سلم) الشعر، لأن المراد بالشعر الذي يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق؛ و الذي يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو و نحو ذلك.
و من ثم قيل: الشعر كلام حسنه حسن و قبيحه قبيح. و في الجامع الصغير:
الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، و قبيحه كقبيح الكلام، الشعر الحسن أحد الجمالين، يكسوه اللّه المرء المسلم.
و قد قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: إذا خفي عليكم شيء من غريب