السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٧ - باب الهجرة إلى المدينة
القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب، و في كلام سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه: نعم الأبيات من الشعر يقدمها الرجل في صدر حاجته، يستعطف بها قلب الكريم و يستميل بها لؤم اللئيم.
و الحاصل أن الحق الحقيق بالاعتماد و به تجتمع الأقوال أن المحرم عليه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما هو إنشاد الشعر: أي الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه، و هذا هو المعنى بقوله تعالى وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: الآية ٦٩].
فإن فرض وقوع كلام موزون منه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يكون ذلك شعرا اصطلاحا لعدم قصد وزنه، فليس من الممنوع منه.
و الغالب عليه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله لا يأتي به موزونا، و ربما أتى به موزونا.
و ادّعى بعض الأدباء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يحسن الشعر: أي يأتي به موزونا قصدا، و لكنه كان لا يتعاطاه: أي لا يقصد الإتيان به موزونا. قال: و هذا أتم و أكمل مما لو قلنا بأنه كان لا يحسنه، و فيه أن في ذلك تكذيبا للقرآن.
و في التهذيب للبغوي. من أئمتنا، قيل: كان (صلى اللّه عليه و سلم) يحسن الشعر و لا يقوله.
و الأصح أنه كان لا يحسنه، و لكن كان يميز بين جيد الشعر و رديئه، و لعل المراد بين الموزون منه و غير الموزون. ثم رأيته في ينبوع الحياة. قال: كان بعض الزنادقة المتظاهرين بالإسلام حفظا لنفسه و ماله يعرّض في كلامه بأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان يحسن الشعر، يقصد بذلك تكذيب كتاب اللّه تعالى في قوله تعالى وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩].
قال بعضهم: و الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره أن القرآن منبع الحق، و مجمع الصدق، و قصارى أمر الشاعر التخيل بتصور الباطل في صورة الحق، و الإفراط في الإطراء، و المبالغة في الذم و الإيذاء، دون إظهار الحق و إثبات الصدق، و لهذا نزه اللّه تعالى نبيه عنه، و لأجل شهر الشعر بالكذب سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان و الكذب شعرية.
و قد جاء التنفير عن إنشاد الشعر في المسجد، قال (صلى اللّه عليه و سلم) «من رأيتموه ينشد شعرا في المسجد فقولوا: فض اللّه فاك ثلاث مرات» و الأخذ بعمومه فيه من العسر ما لا يخفى.
و في العرائس عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: من قال آدم قد قال الشعر فقد كذب على اللّه و رسوله و رمى آدم بالإثم، و إن محمدا و الأنبياء صلوات اللّه