السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٦ - باب بدء الأذان و مشروعيته
الشهادة به العارفون به. أو نور الإله الذي هو النبوة تذهبه الألسن؟ لا يكون ذلك، و كيف يكون ذلك و هو الذي يستضاء به في الظاهر و الباطن، كيف يوصل الإله قلوبا للحق و ملؤها البغضاء لحبيبه (صلى اللّه عليه و سلم)؟.
أقول: و قيل في سبب نزول سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] أن وفد نجران لما نطقوا بالتثليث، قال لهم المسلمون: من خلقكم؟ قالوا اللّه، قالوا لهم:
فلم عبدتم غيره و جعلتم معه إلهين؟ فقالوا: بل هو إله واحد؛ لكنه حل في جسد المسيح، إذا كان في بطن أمه، فقالوا لهم: هل كان المسيح يأكل الطعام؟ قالوا: كان يأكل الطعام، فأنزل اللّه تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) تكذيبا لهم في أنه ثالث ثلاثة، و الصمد: هو الذي لا جوف له، فهو غير محتاج إلى الطعام.
و قيل سبب نزولها أن قريشا هم الذين قالوا له انسب لنا ربك يا محمد؛ و تقدم ما فيه و اللّه أعلم.
و قد جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: الآية ٤٠] قال اللّه تعالى للأحبار من اليهود وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: الآية ٤٠] الذي أخذته في أعناقكم للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذ جاءكم بتصديقه و اتباعه أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: الآية ٤٠] أنجز لكم ما وعدتم عليه؛ بوضع ما كان عليكم من الإصر و الأغلال وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: الآية ٤١] و عندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: الآية ٤٢] أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي، و بما جاء به و أنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
قال بعضهم: و لم يسلم من رؤساء علماء اليهود إلا عبد اللّه بن سلام و ضم إليه السهيلي عبد اللّه بن صوريا، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف لعبد اللّه بن صوريا على إسلام من طريق صحيح، و إنما نسب لتفسير النقاش؛ أي و يضم لعبد اللّه بن سلام ميمون المتقدم ذكره.
و روي في سبب إسلام عبد اللّه بن سلام: أي إظهار إسلامه على ما تقدم أنه لما بلغه مقدم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أتاه في قباء، فعنه رضي اللّه تعالى عنه «جاء رجل حتى أخبر بقدومه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنا في رأس نخلة أعمل فيها و عمتي تحتي جالسة، فلما سمعت بقدوم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كبرت، فقالت لي عمتي: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، فقلت لها: أي عمة، فو اللّه هو أخو موسى بن عمران و على دينه بعث بما بعث به. قالت يا بن أخي أ هو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع بعث الساعة و في لفظ «مع نفس الساعة، فقلت لها نعم».
أي و قد جاء عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما «بعثت بين يدي الساعة