السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٤ - باب بدء الأذان و مشروعيته
الموحدة، أي أعلمنا بكتاب اللّه «سيدنا و عالمنا و أفضلنا، قال: أ فرأيتم إن شهد أني رسول اللّه و آمن بالكتاب الذي أنزل عليّ تؤمنوا بي؟ قالوا نعم، فدعاه، فقال: يا ابن سلام اخرج عليهم، فخرج عليهم فقال: يا عبد اللّه بن سلام، أ ما تعلم أني رسول اللّه تجدني عندكم مكتوبا في التوراة و الإنجيل، أخذ اللّه ميثاقكم أن تؤمنوا بي و أن تتبعوني من أدركني منكم؟ قال ابن سلام: بلى يا معشر يهود، ويلكم اتقوا اللّه، و اللّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول اللّه حقا، و أنه جاء بالحق»، قال زاد في رواية «تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة اسمه و صفته، قالوا: كذبت، أنت أشرنا، و ابن أشرنا» و هذه لغة رديئة، و الفصحى شرنا و ابن شرنا بغير همزة و هي رواية البخاري «قال ابن سلام رضي اللّه تعالى عنه: هذا الذي كنت أخاف يا رسول اللّه، أ لم أخبرك أنهم قوم بهت أهل غدر و كذب و فجور؟» انتهى «فأخرجهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أظهرت إسلامي، و أنزل اللّه تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [فصّلت:
الآية ٥٢] يعني الكتاب أو الرسول وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [الأحقاف: الآية ١٠] يعني عبد اللّه بن سلام عَلى مِثْلِهِ [الأحقاف: الآية ١٠] يعني اليهود فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) [الأحقاف: ١٠]».
أقول: هذا السياق لا يناسب ما حكاه في الخصائص الكبرى عن تاريخ الشام لابن عساكر: أن ابن سلام اجتمع بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة قبل أن يهاجر، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أنت ابن سلام عالم أهل يثرب؟ قال نعم، قال: ناشدتك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد صفتي في كتاب اللّه يعني التوراة؟ قال: أنسب ربك يا محمد، فأرتج النبي (صلى اللّه عليه و سلم)» أي توقف «و لم يدر ما يقول، فقال له جبريل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ (٣) وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) [الإخلاص: ١- ٤]، فقال ابن سلام: أشهد أنك رسول اللّه، و أن اللّه مظهرك و مظهر دينك على الأديان، و إني لأجد صفتك في كتاب اللّه تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (٤٥) [الأحزاب: الآية ٤٥] أنت عبدي و رسولي» إلى آخر ما تقدم عن التوراة، فإنه يدل على أن ابن سلام أسلم بمكة و كتم إسلامه، و لو كان كذلك لما قال «فلما رأيت وجهه الشريف عرفت أنه غير وجه كذاب» و لما قال «و كنت عرفت صفته و اسمه» و لما سأله عن الأمور الآتية، و لما احتاج إلى الإسلام ثانيا، إلا أن يقال على تسليم صحة ما قاله ابن عساكر جاز أن يكون قال ذلك، و فعل ما ذكر إقامة للحجة على اليهود.
و قد وقع لابن سلام هذا أنه لقي عليا بالربذة و قد خرج بعد قتل عثمان و بعد أن بويع بالخلافة متوجها إلى البصرة لما بلغه أن عائشة و طلحة و الزبير و من معهم خرجوا إلى البصرة في طلب دم عثمان، و كان ذلك سببا لوقعة الجمل، فأخذ بعنان فرس عليّ، و قال: يا أمير المؤمنين لا تخرج منها يعني المدينة، فو اللّه لئن خرجت