السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٧ - باب الهجرة إلى المدينة
باب الهجرة إلى المدينة
لا يخفى أنه لما كان صبيحة الليلة الثالثة من دخولهما الغار على ما تقدم، جاءهما الدليل الذي هو الرجل الدؤلي براحلتيهما، فركبا و انطلق بهما و انطلق معهما عامر بن فهيرة: أي رديفا لأبي بكر يخدمهما، أي و في البخاري «أن أبا بكر كان رديفا له (صلى اللّه عليه و سلم)» أي و لا مخالفة لما سيأتي.
و يروى «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما خرج من الغار و ركب أخذ أبو بكر بغرزه» أي بركابه، و الغرز بغين معجمة مفتوحة و راء ساكنة و زاي: ركاب الإبل خاصة «فقال (صلى اللّه عليه و سلم): أ لا أبشرك؟ قال بلى فداك أبي و أمي، قال: إن اللّه عز و جل يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، و يتجلى لك خاصة» قال الخطيب: هذا الحديث لا أصل له. قال السيوطي:
رأيت له متابعات «و دعا (صلى اللّه عليه و سلم) بدعاء منه: اللهم اصحبني في سفري، و اخلفني في أهلي».
«و أخذ بهم الدليل على طريق السواحل، و صار أبو بكر إذا سأله سائل عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من هذا الذي معك» أي و في رواية: «من هذا الذي بين يديك؟» و في رواية: «من هذا الغلام بين يديك» أي بناء على أنه كان رديفا له (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: هذا الرجل يهديني الطريق يعني طريق الخير، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لأبي بكر «أله الناس» أي أشغل الناس عني: أي تكفل عني بالجواب لمن سأل عني، فإنه لا ينبغي لنبيّ أن يكذب: أي و لو صورة كالتورية، فكان أبو بكر يقول لمن سأله عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ما ذكر، و إنما لم يسأل أبو بكر عن نفسه، لأن أبا بكر كان معروفا لهم، لأنه كان يكثر المرور عليهم في التجارة للشام: أي معروفا لغالبهم، فلا ينافي ما جاء في بعض الروايات أنه كان إذا سئل من أنت؟ يقول: باغي أي طالب حاجة، فعلم أن الأنبياء لا ينبغي لهم الكذب و لو صورة، و من ذلك التوراة، لكن سيأتي في غزوة بدر وقوع التوراة منه (صلى اللّه عليه و سلم).
و في رواية «ركب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وراء أبي بكر ناقته» و في التمهيد لابن عبد البر «أنه لما أتي براحلة أبي بكر سأل أبو بكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يركب و يردفه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بل أنت اركب و أردفك أنا، فإن الرجل أحق بصدر دابته، فكان إذا قيل له من هذا وراءك؟ قال: هذا يهديني السبيل».
أقول: لا مخالفة بين هذا و ما تقدم، لأنه يجوز أن يكون ركب (صلى اللّه عليه و سلم) تارة خلف