السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٥ - باب غزوة بدر الكبرى
بجانبه: محمد و اللّه قاتلي، فإنه نظر إليّ بعينين فيهما الموت، فقال له: و اللّه ما هذا منك إلا رعب، و قال النضر لمصعب بن عمير رضي اللّه تعالى عنه: يا مصعب أنت أقرب من هذا إليّ رحما فكلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي يعني المأسورين، هو و اللّه قاتلي، فقال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب اللّه كذا و كذا، و تقول في نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) كذا و كذا، و كنت تعذب أصحابه.
و في أسباب النزول للسيوطي و أقره، و كان المقداد رضي اللّه تعالى عنه أسر النضر، فلما أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بقتله، قال المقداد: يا رسول اللّه أسيري، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
إنه كان يقول في كتاب اللّه ما يقول، و قد رثته أخته، و قيل بنته رضي اللّه تعالى عنها فإنها أسلمت بعد ذلك يوم الفتح فقالت من أبيات:
أ محمد يا خير ضنء كريمة
و الذي رأيته في الحماسة:
أ محمد و لأنت ضنء نجيبة* * * في قومها و الفحل فحل معرق
أي له عرق في الكرم، و الضنء: الولد
ما كان ضرك لو مننت و ربما* * * منّ الفتى و هو المغيظ المحنق
و حين سمع ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بكى حتى أخضل أي بلّ لحيته، و قال لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه، أي لقبول شفاعتها عندي بهذا الشعر، و ليس معناه الندم، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يفعل إلا حقا.
أي و كان للنضر هذا أخ يقال له النضير بالتصغير و كان أسنّ المهاجرين، و قيل كان من مسلمة الفتح، و ربما يدل له أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر له بمائة بعير من غنائم حنين، فجاءه شخص يبشره بذلك، فقال: لا آخذها، فإني أحسب أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يعطني ذلك إلا تألفا على الإسلام و ما أريد أن أرتشي على الإسلام، فقيل له إنها عطية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقبلها، و أعطى المبشر منها عشرة أبعرة.
ثم قتل (صلى اللّه عليه و سلم) عقبة بن أبي معيط بعرق الظبية بضم الظاء المعجمة و هي شجرة يستظل بها، قال و حين قدم للقتل: من للصبية يا محمد؟، قال النار.
و جاء عن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن عقبة لما قدم للقتل نادى: يا معشر قريش ما لي أقتل من بينكم صبرا فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): بكفرك و افترائك على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» أي و في لفظ «ببزاقك في وجهي» أي فإن عقبة كان يكثر مجالسته (صلى اللّه عليه و سلم) و اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأبى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل، و كان أبيّ بن خلف صديقه فعاتبه و قال صبأت يا عقبة، قال لا و لكن أبى أن يأكل من طعامي و هو في بيتي فاستحييت منه، فشهدت له الشهادة