السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٦ - باب الهجرة إلى المدينة
و الأنصار، فأنكر ذلك عليه أعيان الصحابة، فكان ذلك من أكبر الأسباب على القيام عليه، و اعتذر عثمان عن ذلك بأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان وعده برده و هو في مرض موته، قال: فشهدت عند أبي بكر، فقال إنك شاهد واحد و لا تقبل شهادة الواحد، ثم قال لي عمر كذلك، فلما صار الأمر إليّ قضيت بعلمي. أي: و أما عزله لأبي موسى، فإن جند عمله شكوا شحه فعزله خوف الفتنة.
و منها أنه جاء إلى عثمان أهل مصر يشكون ممن ولاه عليهم و هو ابن أبي سرح و قالوا: كيف توليه على المسلمين و قد أباح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الفتح دمه؟ و تعزل عمرو بن العاص عنا.
و ردّ هذا بأن عزله لعمرو إنما كان لكثرة شكايتهم منه، و ابن أبي سرح أسلم بعد الفتح و حسن حاله و وجدوه لسياسة الأمر أقوى من عمرو بن العاص، و عزله للمغيرة بأنه أنهي إليه فيه أنه ارتشى فرأى المصلحة في عزله، فلما عادوا إلى مصر قتل ابن أبي سرح رجلا منهم فعادوا إلى عثمان و كلموا أكابر الصحابة كعلي و طلحة بن عبيد اللّه، فقالوا اعزله عنهم فإنهم يسألونك رجلا مكانه، فقال لهم عثمان: يختارون رجلا أوليه عليهم، فاختاروا محمد بن أبي بكر، فكتب إليه عهده و ولاه، فخرج و خرج معه جماعة من المهاجرين و الأنصار و جماعة من التابعين لينظروا بين أهل مصر و بين ابن أبي سرح، فلما كان محمد بن أبي بكر و من معه على مسيرة ثلاثة مراحل من المدينة، فإذا هم بغلام أسود على بعير، فقالوا له: ما قضيتك؟ فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، أرسلني إلى عامل مصر، فقال له واحد منهم: هذا عامل مصر يعني محمد بن أبي بكر، فقال: ما هذا أريد، فلما أخبر ذلك الرجل محمد بن أبي بكر استدعاه، فقال له بحضور من معه من المهاجرين و الأنصار: أنت غلام من؟ فصار تارة يقول غلام أمير المؤمنين و تارة يقول غلام مروان، فعرفه رجل من القوم و قال: هذا غلام عثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر برسالة، قال: معك كتاب؟ قال لا، ففتشوه فإذا معه كتاب: من عثمان إلى ابن أبي سرح في قصبة من رصاص في جوف الإداوة في الماء، ففتح الكتاب، فحضره جميع من معه، فإذا فيه: إذا أتاك محمد و فلان و فلان فاحتل في قتلهم، و في رواية: انظر فلانا و فلانا إذا قدموا عليك فاضرب أعناقهم، و عاقب فلانا بكذا و فلانا بكذا، منهم نفر من الصحابة و نفر من التابعين.
و في رواية: اذبح محمد بن أبي بكر و احش جلده تبنا، و كن على عملك حتى يأتيك كتابي، فلما قرءوا الكتاب فزعوا و رجعوا إلى المدينة، و قرىء الكتاب على جميع من بالمدينة من الصحابة و التابعين، فما منهم أحد إلا و اغتم لذلك، فدخل عليه عليّ مع جماعة من أهل بدر و معه الكتاب و الغلام، فقالوا له: هذا الغلام