السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٧ - باب الهجرة إلى المدينة
غلامك؟ قال نعم، قالوا و البعير بعيرك؟ قال نعم، قالوا: فأنت كتبت هذا الكتاب؟
فقال: لا، و حلف باللّه ما كتبت هذا الكتاب و لا أمرت به و لا علم لي به، فقال له عليّ: و الخاتم خاتمك، قال نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك و بكتابك عليه ختمك و أنت لا تعلم به؟ فحلف باللّه ما أمرت بهذا الكتاب و لا وجهت هذا الغلام إلى مصر، فعرفوا أنه خط مروان لا عثمان، لأن عثمان لا يحلف باطلا: و في رواية: الخط خط كاتبي، و الخاتم خاتمي. و في رواية: انطلق الغلام بغير أمري و أخذ الجمل بغير علمي، قالوا: فما نقش خاتمك؟ قال: نقش عليه مروان، فسألوه أن يدفع لهم مروان و كان مروان عنده في الدار فأبى، فخرجوا من عنده غضابا، و قالوا لا يبرأ عثمان إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحث و نعرف حال الكتاب، فإن كان عثمان أمر به عزلناه، و إن كان مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون في أمر مروان، فأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان خوفا عليه من القتل، فحوصر عثمان بسبب ذلك، و منعوه الماء و وقع ما تقدم.
و ذكر ابن الجوزي أنه لما دخل المصريون على عثمان رضي اللّه عنه و المصحف في حجره يقرأ فيه، فمدوا إليه أيديهم، فمد يده فضربت فسال الدم.
و قيل: وقعت قطرة على فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: الآية ١٣٧] فقال:
أما إنها أول يد خطت المفصل هذا كلامه: أي و هذا من أعلام النبوة. فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «يا عثمان تقتل و أنت تقرأ سورة البقرة، فتقع قطرة من دمك على فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: الآية ١٣٧] قال الذهبي: إنه حديث موضوع: أي قوله فيه و أنت تقرأ إلى آخره.
و روي أنه لما حوصر قال: و اللّه ما زينت في جاهلية و لا إسلام، و لا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني اللّه، و لا قتلت نفسا فيم تقتلونني؟ و قال وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) [هود: الآية ٨٩] يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا و شبك بين أصابعه، و قال معددا لنعم اللّه تعالى عليه: ما وضعت يدي على فرجي منذ بايعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا و أنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك، قال بعضهم: و جملة من أعتقه عثمان ألفان و أربعمائة رقبة تقريبا.
و ذكر أنه رأى في الليلة التي قتل في يومها المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و أبا بكر و عمر في المنام و قالوا له: اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة، فلما أصبح دعا بالمصحف فنشره بين يديه و لبس السراويل، و لم يكن لبسها قبل ذلك في الجاهلية و لا في الإسلام خوفا أن يطلع على عورته عند قتله.