السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٣ - باب الهجرة إلى المدينة
و قد يعارض هذا ما قيل «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر أن يحصب المسجد» فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضي اللّه تعالى عنه.
أقول: قد يقال لا معارضة، لأنه يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) لما أعجبه ذلك من فعل بعض الصحابة أمره أن يحصب جميع المسجد، لأن الواقع تحصيب بعضه، لكن يشكل على ذلك قول بعضهم من البدع فرش المساجد، إلا أن يراد بالحصر و نحوها لأنه لم يكن زمنه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا أمر به، ثم رأيت بعضهم ذكر ذلك حيث قال: أول من فرش الحصر في المساجد عمر بن الخطاب، و كانت قبل ذلك مفروشة بالحصباء أي في زمنه (صلى اللّه عليه و سلم) كما تقدم.
و في الإحياء: أكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، إذ من عزيز المعروف في زماننا فرش المساجد بالبسط الرقيقة فيها، و قد كان يعدّ فرش البواري في المسجد بدعة؛ كانوا لا يرون أن يكون بينهم و بين الأرض حائل، هذا كلام الإحياء: أي و الحصباء لا تعد حائلا، و سيأتي أن المسجد بني بعد فتح خيبر، و هي التي عناها خارجة رضي اللّه تعالى عنه بقوله «ما كثر الناس قالوا: يا رسول اللّه لو زيد فيه، ففعل» و لعلها هي التي أدخل فيها الأرض التي اشتراها عثمان رضي اللّه تعالى عنه من بعض الأنصار بعشرة آلاف درهم، ثم جاء عثمان إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه أ تشتري مني البقعة التي اشتريتها من الأنصار أي التي كانت مجاورة للمسجد «فاشتراها منه ببيت في الجنة».
أي و في رواية: أن عثمان رضي اللّه تعالى عنه لما حصر، أي الحصرة الثانية و أشرف على الناس من فوق سطح داره، و قد اشتد به العطش، قال: أ هاهنا عليّ؟
قالوا لا، قال: أ هاهنا طلحة؟ قالوا لا، قال: أنشدكم باللّه الذي لا إله إلا هو أ تعلمون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «من يبتاع مربد بني فلان» أي لمربد كان مجاورا للمسجد «غفر اللّه له» فابتعته بعشرين ألفا أو بخمسة و عشرين ألفا شك عثمان، و تقدم أنه اشتراها بعشرة آلاف درهم فليتأمل «فأتيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت: قد ابتعته، فقال اجعله مسجدنا و أجره لك، قالوا: اللهم نعم، قد كان ذلك» و في لفظ، أنشدكم باللّه و بالإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من يشتري بقعة ابن فلان لبقعة كانت إلى جنب المسجد؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): من يشتريها و يوسعها في المسجد له مثلها» و في لفظ «خير له منها في الجنة» فاشتريتها و وسعتها في المسجد فأنتم الآن تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين، أي و زاد فيه عثمان رضي اللّه تعالى عنه بعد ذلك زيادة كبيرة، و بنى جداره بالحجارة المنقوشة، و جعل عمده من حجارة منقوشة و سقفه بالساج كما في البخاري، و عدد عثمان رضي اللّه تعالى عنه أشياء منها أنه قال «أنشدكم باللّه و بالإسلام، هل تعلمون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قدم المدينة و ليس بها