السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣٠ - باب غزوة بدر الكبرى
و قد يقال: لا مانع من اجتماع الأمرين، و كل منهما مراد من الآية. قال، و قاتل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يومئذ بنفسه قتالا شديدا. و كذلك أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء قاتلا بأبدانهما جمعا بين المقامين انتهى.
أقول: كذا نقل بعضهم عن الأموي، و يتأمل ذلك، فإني لم أقف عليه في كلام أحد غيره، و كأنّ قائل ذلك فهم مباشرته (صلى اللّه عليه و سلم) للقتال مما تقدم عن علي رضي اللّه تعالى عنه «لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان أشد الناس بأسا» و لا دلالة في ذلك، و اللّه أعلم.
نعم ذكر ابن سعد «أنه لما انهزم المشركون رئي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أثرهم مصلتا السيف يتلو هذه الآية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: الآية ٤٥] و هذه الآية ذكر في الإتقان أنها مما تأخر حكمه عن نزوله، فإنها نزلت بمكة، و كان ذلك يوم بدر.
فعن عمر رضي اللّه تعالى عنه: قلت أيّ جمع، فلما كان يوم بدر و انهزمت قريش نظرت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في آثارهم مصلتا السيف يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: الآية ٤٥] فكانت ليوم بدر، أخرجه الطبراني في الأوسط، و لو قاتل (صلى اللّه عليه و سلم) لجرح أو قتل من قاتله، و لو وقع ذلك لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله.
و سيأتي في أحد عن النور «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يقتل بيده الشريفة قط أحد إلا أبي بن خلف لا قبله و لا بعده» و إلى رميه بالحصا أشار صاحب الهمزية بقوله:
و رمى بالحصا فأقصد جيشا* * * ما العصا عنده و ما الإلقاء
أي و رمى (صلى اللّه عليه و سلم) بالحصا جيشا فأصابهم كلهم بها، أي شيء إلقاء عصا موسى عليه الصلاة و السلام على حبال سحرة فرعون و عصيهم عند ذلك الحصى المرميّ به لا يقاربه ذلك الإلقاء و لا يدانيه، لأن ذاك وجد له نظير و هو إلقاء السحرة الحبال و العصي، و الرمي بالحصا لم يوجد له نظير.
أي و قال (صلى اللّه عليه و سلم) حينئذ «من قتل قتيلا فله سلبه و من أسر أسيرا فهو له» كما في الإمتاع «فلما وضع القوم أيديهم يأسرون نظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى سعد فوجد في وجهه الكراهية لما يصنع القوم، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم، قال: أجل و اللّه يا رسول اللّه كانت أول وقعة أوقعها اللّه بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل» أي الإكثار منه و المبالغة فيه أحب إليّ من استبقاء الرجال.
و ذكر بعضهم أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لأصحابه «إنكم قد عرفتم أن رجالا من بني هاشم و غيرهم قد أخرجوا إكراها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله» أي بل يأسره و ذكر أبا البختري بن هشام، أي فقال «من لقي أبا البختري فلا يقتله» أي لأنه كان ممن قام في نقض الصحيفة و نص على العباس بن