السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٢ - غزوة بني المصطلق
و أما الحديث الذي أخرجه مسلم «إن ريحا عظيمة هبت فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إنها هبت لموت منافق عظيم النفاق» و هو رفاعة بن التابوت، فهو آخر غير هذا. فقد جاء من وجه آخر «رافع بن التابوت» أي فذكر رفاعة بدل رافع من تصرف بعض الرواة.
و ذكر في الإصابة أن رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان رضي اللّه عنه لم يوصف بأنه ابن التابوت كما ذكره ابن الجوزي، أي فوصفه بابن التابوت من تصرف بعض الرواة، فليتأمل و اللّه أعلم.
و عن جابر رضي اللّه عنه قال «كنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في سفر، فهاجت ريح منتنة فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): إن ناسا من المنافقين اغتابوا ناسا من المؤمنين فلذلك هاجت هذه الريح» و لم يعين جابر السفرة، فيحتمل أن تكون هي هذه الغزوة و هو ظاهر سياقها فيها.
و يحتمل أن تكون غيرها، و فقدت ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) القصواء من بين الإبل:
أي ليلا. فجعل المسلمون يطلبونها من كل وجه، فقال زيد بن الصلت و كانت منافقا كما علمت من بني قينقاع و كان بمجمع من الأنصار: أي يذهب هؤلاء في كل وجه، قالوا يطلبون ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد ضلت، قال: أ فلا يخبره اللّه بمكانها، أي و في لفظ: كيف يدعي أنه يعلم الغيب و لا يعلم مكان ناقته و لا يخبره الذي يأتيه بالوحي، فأنكر عليه القوم؛ و قالوا قاتلك اللّه يا عدوّ اللّه نافقت، و أرادوا قتله فعمد هاربا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) متعوذا به. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)- و ذلك الرجل يسمع: إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: أ لا يخبره اللّه بمكانها، و اللّه قد أخبرني بمكانها، و لا يعلم الغيب إلا اللّه، و إنها في الشعب مقابلكم، قد مسك زمامها بشجرة، فاعمدوا نحوها، فذهبوا فأتوا بها من حيث قال (صلى اللّه عليه و سلم)، فقام ذلك الرجل سريعا إلى رفقائه، فقالوا له حين دنا لا تدن منا، فقال لهم: أنشدكم اللّه، هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره خبري، قالوا: لا و اللّه، و لا قمنا من مجلسنا، فقال:
إني وجدت ما تكلمت به عنده، فأشهد أن محمدا رسول اللّه كأني لم أسلم إلا اليوم فقالوا له: فاذهب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يستغفر لك، فذهب إليه و اعترف بذنبه و استغفر له، قال: و يقال إنه لم يزل فشلا أي جبانا حتى مات و وقع مثل هذا أي هبوب الريح و إضلال ناقته (صلى اللّه عليه و سلم) في غزوة تبوك.
و أوقع (صلى اللّه عليه و سلم) السباق بين الإبل، فسابق بلال رضي اللّه عنه على ناقته (صلى اللّه عليه و سلم) القصواء فسبقت غيرها من الإبل، و سابق أبو سعيد الساعدي رضي اللّه عنه على فرسه (صلى اللّه عليه و سلم) الذي يقال له الظرب فسبق غيره من الخيل ا ه.
أي و جاء أن ناقته (صلى اللّه عليه و سلم) العضباء كانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) «حقّ على اللّه أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه» ا ه.