السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٢ - غزوة بحران
أَمْرِهِمْ [الأحزاب: الآية ٣٦] الآية، فقالت عند ذلك رضيت.
و في رواية أنها وهبت نفسها للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) فزوّجها من زيد، فسخطت هي و أخوها، و قالا: إنما أردنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فزوجها عبده فنزلت الآية.
أي و عن مقاتل «أن زيد بن حارثة لما أراد أن يتزوّج زينب جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: يا رسول اللّه اخطب علي؟ قال له: من؟ قال: زينب بنت جحش، فقال له:
لا أراها تفعل، إنها أكرم من ذلك نسبا، فقال: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا كلمتها أنت و قلت زيد أكرم الناس عليّ فعلت، قال: إنها امرأة لسناء» أي فصيحة، و المراد لسانها طويل، فذهب زيد إلى علي رضي اللّه تعالى عنه، فحمله على أن يكلم له النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فانطلق معه عليّ إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فكلمه، فقال: إني فاعل ذلك و مرسلك يا علي إلى أهلها لتكلمهم ففعل، ثم عاد فأخبره بكراهتها و كراهة أخيها لذلك فأرسل إليهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: قد رضيته لكم، و أقضي أن تنكحوه، فانكحوه، و ساق إليهم عشرة دنانير و ستين درهما و درعا و خمارا و ملحفة و إزارا و خمسين مدا من الطعام و عشرة أمداد من التمر أعطاه ذلك كله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). ثم بعد ذلك جاء (صلى اللّه عليه و سلم) بيت زيد يطلبه فلم يجده، فتقدمت إليه زينب، فأعرض عنها، فقالت له: ليس هو هنا يا رسول اللّه فادخل، فأبى أن يدخل و أعجبت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي لأن الريح رفعت الستر فنظر إليها من غير قصد فوقعت في نفسه (صلى اللّه عليه و سلم)، فرجع و هو يقول «سبحان مصرّف القلوب» و في رواية «مقلب القلوب» و سمعته زينب يقول ذلك، فلما جاء زيد أخبرته الخبر، فجاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: يا رسول اللّه لعل زينب أعجبتك فأفارقها لك، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أمسك عليك زوجك، فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم، أي فلم يستطع أن يغشاها من حين رآها (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أن طلقها.
فعنها رضي اللّه تعالى عنها: لما وقعت في قلب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم يستطعني زيد و ما امتنعت منه، و صرف اللّه تعالى قلبه عني، و جاءه يوما و قال له: يا رسول اللّه إن زينب اشتدّ عليّ لسانها و أنا أريد أن أطلقها، فقال له اتق اللّه و أمسك عليك زوجك، فقال: استطالت عليّ، فقال له إذن طلقها فطلقها. فلما انقضت عدّتها أرسل زيدا لها فقال له اذهب فاذكرها عليّ فانطلق، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي: أي أستخيره. فبينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالس يتحدث مع عائشة إذ نزل عليه الوحي بأن اللّه زوّجه زينب، فسرّي عنه و هو يبتسم، و هو يقول: من يذهب إلى زينب فيبشرها أن اللّه زوجنيها من السماء؟ و جاء إليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فدخل عليها بغير إذن، قالت: دخل عليّ و أنا مكشوفة الشعر، فقلت: يا رسول اللّه بلا خطبة و لا إشهاد؛ قال: اللّه المزوج، و جبريل الشاهد، أي و أنزل اللّه تعالى وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ