السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٨ - باب بدء الأذان و مشروعيته
و في الإمتاع عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت له «أ فلا استخرجته؟
قال: لا، أما أنا فقد عافاني اللّه؛ و كرهت أن أثير على الناس شرا» و مراد عائشة بقولها أ فلا استخرجته السحر: أي هلا استخرجت السحر من الجف و المشاطة حتى تنظر إليه، فقال أكره أن أثير على الناس شرا.
قال ابن بطال: أي كره أن يخرجه فيتعلم منه بعض الناس، فذلك هو الشر الذي كرهه (صلى اللّه عليه و سلم): و ذكر السهيلي أنه يجوز أنه يكون الشر غير هذا، و هو أنه لو أظهر للناس لربما قتله طائفة من المسلمين، و يغضب آخرون من عشيرته فيثور شر.
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «أنها قالت له (صلى اللّه عليه و سلم): هلا تنشرت»؟ أي استعملت النشرة قال بعضهم: و فيه دليل على عدم كراهة استعمال النشرة حيث لم ينكر عليها قولها. و كرهها جمع و استندوا لحديث في أبي داود مرفوعا «النشرة من عمل الشيطان» و حمل ذلك على النشرة التي تصحبها العزائم المشتملة على الأسماء التي لا تفهم «فأمر بها فطمت» أي تلك البئر، و حفروا بئرا أخرى، فأعانهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حفرها حيث طموا الأخرى التي سحر فيها، هذا كلامه، فليتأمل مع ما قبله.
و قيل إنما سحره بنات أعصم أخوات لبيد، و دخلت إحداهنّ على عائشة فسمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من بصره ثم خرجت إلى أخواتها فأخبرتهن بذلك، فقالت إحداهن: إن يكن نبيا فسيخبر، و إن يكن غير ذلك فسوف يذهله هذا السحر حتى يذهب عقله، فدله اللّه تعالى عليه.
و قد يجمع بين كون الساحر له (صلى اللّه عليه و سلم) لبيدا و كون الساحر له أخوات لبيد بأن الساحر له أخوات لبيد، و نسب السحر إلى لبيد لأنه جاء أنه الذي ذهب به فأدخله تحت راعونة البئر: أي أو في القبر كما تقدم. و لا منافاة، لجواز أن يكون وضعه في القبر مدة ثم أخرجه منه و وضعه تحت تلك الراعونة أي و هي حجر يوضع على رأس البئر يقوم عليه المستقي، و قد يكون في أسفل البئر يجلس عليه الذي ينظف البئر، أي و الثاني هو المراد بدليل ما سبق.
و في النهر لأبي حيان: و نص القرآن و الحديث أن السحر تخييل: أي لا يقلب الأعيان و لا شك في وجوده في زمن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و أما في زماننا الآن فكل ما وقفنا عليه من كتبه فهو كذب و افتراء لا يترتب عليه شيء، فلا يصبح منه شيء البتة.
و طعنت المعتزلة و طوائف من أهل البدع في كونه (صلى اللّه عليه و سلم) سحر و قالوا: لا يجوز على الأنبياء أن يسحروا، و لو جاز أن يسحروا لجاز أن يجنوا و قد عصموا من الناس.