السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥ - باب عرض رسول اللّه
أربط به إلا نطاقي، قال فشقيه اثنين، و اربطي بواحد السقاء الذي هو القربة و بواحد السفرة ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين: أي سماها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال لها «أبدلك اللّه بنطاقك هذا نطاقين في الجنة».
و فيه أن الرواية الأولى التي عن عائشة، و الرواية الثانية التي عن أسماء رواها مسلم لم يذكر السقاء. و في رواية البخاري ذكر السقاء و إسقاط الجراب، لكن ذكر بعد الجراب السفرة.
و قد يقال: المراد بربط السفرة ربط محلها الذي هو الجراب كما أشار إليه.
قال بعضهم: و ما تقدم عن مسلم ينبغي أن يكون أقرب إلى الضبط، لأن أسماء قالت في آخر عمرها مخبرة عن نفسها: أي و لم تربط إلا الجراب بأحد شقي النطاق و أبقت لها الآخر.
و قد يقال: الحصر ليس في محله لمنافاته لرواية البخاري. و حينئذ يجمع بأنه بجوازها لما شقت النطاق نصفين قطعت أحدهما قطعتين، فشدت بإحداهما الجراب و الأخرى السقاء، فهي ذات النطاقين الذي أبقته، و الذي فعلت به ما ذكر.
و في السيرة الهشامية أن أسماء بنت أبي بكر جاءت إليهما لما نزلا من الغار بسفرتهما، و نسيت أن تجعل لها عصاما فدهشت لغلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها فجعلته عصاما فعلقتها به و انتطقت الآخر: أي و هذا يدل على أن المراد بقول عائشة: فجهزناهما أحب الجهاز: أي عند خروجهما من الغار، لا عند ذهابهما إلى الغار كما قد يتبادر من السياق. ثم على المتبادر جرى ابن الجوزي حيث قال:
أسماء بنت أبي بكر أسلمت بمكة قديما، و بايعت و شقت نطاقها ليلة خروج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الغار، فجعلت واحدا لسفرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و الآخر عصاما لقربته، فسميت ذات النطاقين هذا كلامه.
و قد قال: لا مانع من تعدد ذلك، و كون النطاق ما تشد به المرأة وسطها لئلا تعثر في ذيلها يخالفه قول بعضهم: النطاق هو ثوب تلبسه المرأة ثم تشد وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل، و هذا يوافق القيل المتقدم، و لعل له إطلاقين، و يوافق الثاني ما قيل أول من فعله هاجر أم إسماعيل، اتخذته لتخفي أثر مشيتها على سارة، و لعله عند خروجها لما أمره اللّه عز و جل بإخراجها مع إبراهيم، فيذهب بها إلى مكة قبل أن تركب مع إبراهيم على البراق.
«ثم استأجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر رجلا من بني الديل، و هو عبد اللّه بن أريقط» و يقال ابن أرقط أو أرقد اسم أمه، فأريقط مصغرها «ليدلهما على الطريق للمدينة» و كان على دين قريش، أي ثم أسلم بعد ذلك. و قيل لم يعرف له إسلام.