حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٨٣ - فائدة
فرد علي السلام، ورم إلي كتابا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر الثقفي، أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به، من غير ترويع، و ادفع له خمسمائة دينار و جملا مهريا، يسير عليه لاثنتي عشرة ليلة إلى دمشق. قال:
فأخذت الدنانير و نظرت فإذا جمل مرحول فجعلت رحلي في الغرز و سرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت دمشق، فنزلت على باب هشام، فاستأذنت فأذن لي فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام، و بين كل رخامتين قضيب من ذهب، و هشام جالس على طنفسة حمراء، و عليه ثياب حمر من الخز، و قد تضمخ بالمسك و العنبر، فسلمت عليه فرد علي السلام، و استدناني فدنوت إليه حتى قبلت رجله فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل واحدة منهما حلقتان، فيهما لؤلؤتان تتقدان، فقال لي: كيف أنت يا حماد و كيف حالك؟قلت: بخير يا أمير المؤمنين. فقال: أ تدري فيم بعثت إليك؟قلت: لا. قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر قائله!قلت: و ما هو؟قال:
ودعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها ابريق [١]
فقلت: يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة له فقال: أنشدنيها فانشدته:
بكر العاذلون في وضح الصبـ # ح يقولون لي أ ما تستفيق
و يلومون فيك يا ابنة عبد اللّه # و القلب عندكم موهوق
لست أدري إذا أكثروا العذل فيها # أ عدوّ يلومني أم صديق
قال حماد فانتهيت فيها إلى قوله:
ودعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها ابريق [٢]
قدمته على عقار كعين الـ # ديك صفيّ سلافها الراووق
مرة قبل مزجها فإذا ما # مزجت لذ طعمها من يذوق
و طفا فوقها فقاقيع كاليا # قوت حمر يزينها التصفيق
ثم كان المزاج ماء سحاب # لا صرى آجن و لا مطروق [٣]
قال: فطرب هشام، ثم قال لي: أحسنت يا حماد و اللّه، يا جارية اسقيه فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي، فقال: أعده فاعدته فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه فسقتني، شربة ذهبت بثلث آخر من عقلي، ثم قال: سل حاجتك يا حماد.
فقلت: كائنة ما كانت؟قال: نعم. قلت: إحدى هاتين الجاريتين، فقال: هما لك بما عليهما، ثم قال للجارية الأولى: اسقيه فسقتني شربة، فسقطت منها فلم أعقل حتى أصبحت، و الجاريتان عند رأسي، فإذا عشرة من الخدم، و مع كل واحد منهم بدرة فيها عشرة آلاف درهم. فقال أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لك: خذ هذه و انتفع بها في سفرك فأخذتها و الجاريتين و عدت إلى أهلي انتهى. هكذا ساقها الحريري في كتابه درة الغواص، و فيه
[١] وفيات الأعيان: ٢/٢٠٨.
[٢] الصّبوح: شراب الصباح.
[٣] آجن: فاسد.