حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٥٩ - الدجاج
و تارة بأن يدفن في الزبل و نحوه. و من الدجاج ما يبيض مرتين في اليوم، و الدجاجة تبيض في جميع السنة، إلا في شهرين منها شتويين، و يتم خلق البيض في عشرة أيام، و تكون البيضة عند خروجها لينة القشر، فإذا أصابها الهواء يبست، و هي تشتمل على بياض و صفرة، بينهما قشر رقيق، يسمى قميصا، و يعلوه قشر صلب. فالبياض رطوبة مختلطة لزجة متشابهة الأجزاء، و هي بمنزلة المني. و الصفرة رطوبة سلسة ناعمة أشبه شيء بدم قد جمد، و هي للفرخ مادة يغتذي بها من سرته.
و الذي يتكون من الرطوبة البيضاء عين الفرخ ثم دماغه ثم رأسه ثم ينحاز البياض في لفافة واحدة هي جلدة الفرخ، و تنحاز الصفرة في غشاء واحد هي سرته، فيتغذى منها كتغذي الجنين من سرته من دم الحيض، و ربما وجد في البيضة الواحدة محان أصفران، فإذا حضنت هذه البيضة خرج منها فرخان، و قد شوهد ذلك. و أغذى البيض و ألطفه ذوات الصفرة، و أقله غذاء ما كان من دجاج لا ديك لها، و هذا النوع من البيض، لا يتولد منه حيوان، و لا مما يباض في نقصان القمر على الأكثر، لأن البيض من الاستهلال إلى الابدار يمتلئ و يرطب، فيصلح للكون و بالضد من الابدار إلى المحاق. و يعرف الفرخ الذكر من الأنثى، بعد عشرة أيام، بأن يعلق بمنقاره، فإن تحرك فذكر، و إن سكن فأنثى. و قد وصف الشعراء البيضة بأوصاف مختلفة منها قول أبي الفرج الأصبهاني من أبيات:
فيها بدائع صنعة و لطائف # ألفن بالتقدير و التعليق
خلطان مائيان ما اختلطا على # شكل و مختلف المزاج رقيق
روى ابن ماجة [١] من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «أمر الأغنياء باتخاذ الغنم، و أمر الفقراء باتخاذ الدجاج» . و قال: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن اللّه تعالى بهلاك القرى» . و في اسناده علي بن عروة الدمشقي، قال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال عبد اللطيف البغدادي: إنما أمر الأغنياء باتخاذ الغنم و الفقراء باتخاذ الدجاج لأنه أمر كل قوم بحسب مقدرتهم و ما تصل إليه قوتهم و القصد من ذلك كله أن لا يقعد الناس عن الكسب، و إنماء المال و عمارة الدنيا، و أن لا يدعوا التسبب فإن ذلك يوجب التعفف و القناعة، و ربما أدّى إلى الغنى و الثروة. و ترك الكسب و الاعراض عنه يوجب الحاجة و المسألة للناس و التكفف منهم، و ذلك مذموم شرعا و أما قوله: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن اللّه تعالى بهلاك القرى» . يعني أن الأغنياء إذا ضيقوا على الفقراء في مكاسبهم، و خالطوهم في معايشهم تعطل سببهم و هلكوا، و في هلاك الفقراء بوار، و في ذلك هلاك القرى و بوارها. و في آخر البخاري [٢] و غيره أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «تلك الكلمة من الحق يختطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة» . و ذكر الإمام العلامة أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء [٣] ، عن أحمد بن طولون، صاحب مصر، أنه جلس
[١] رواه ابن ماجة في التجارات: ٦٩.
[٢] البخاري أدب: ١١٧، توحيد: ٥٧. و رواه مسلم في السلام: ١٢٣. و أحمد: ٦/٨٧.
[٣] الأذكياء: ٥٦.