حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٧٩ - خلافة عمر الفاروق رضي اللّه تعالى عنه
يأتيك؟فقالت: إنه يتعاهدني منذ كذا و كذا بما يصلحني و يخرج عني الأذى. تعني القذر.
و لما رجع رضي اللّه تعالى عنه من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس، ليتعرف أخبار رعيته، فمر بعجوز في خبائها فقصدها فقالت: يا هذا ما فعل عمر؟قال: قد أقبل من الشام سالما فقالت: لا جزاه اللّه عني خيرا قال: و لم قالت: لأنه و اللّه ما نالني من عطائه منذ ولي أمر المؤمنين دينار و لا درهم. فقال: و ما يدري عمر بحالك و أنت في هذا الموضع؟فقالت: سبحان اللّه و اللّه ما ظننت أن أحدا يلي على الناس، و لا يدري ما بين مشرقها و مغربها!فبكى عمر رضي اللّه تعالى عنه، و قال: وا عمراه كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر. ثم قال يا أمة اللّه بكم تبيعيني ظلامتك من عمر، فإني أرحمه من النار، فقالت: لا تهزأ بنا يرحمك اللّه!فقال: لست بهزاء فلم يزال بها حتى اشترى منها ظلامتها بخمسة و عشرين دينارا، فبينما هو كذلك، إذ أقبل علي بن أبي طالب، و ابن مسعود، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوضعت العجوز يدها على رأسها، و قالت: وا سوأتاه شتمت أمير المؤمنين في وجهه، فقال لها عمر رضي اللّه تعالى عنه: لا بأس عليك رحمك اللّه. ثم طلب رقعة، يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته و كتب فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي إلى يوم كذا و كذا، بخمسة و عشرين دينارا فما تدعي عند وقوفه في المحشر بين يدي اللّه تعالى فعمر منه بريء شهد على ذلك علي بن أبي طالب و ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنهما، ثم دفع الكتاب إلى ولده، و قال إذا أنا مت فاجعله في كفني، ألقى به ربي و أخباره رضي اللّه تعالى عنه في مثل هذا كثيرة جدا.
و ذكر الفضائلي أن عمر رضي اللّه تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه، و هو بالقادسية بأن يوجه نضلة الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه، إلى حلوان العراق ليغير على ضواحيها، فبعث سعد نضلة في ثلاثمائة فارس، فساروا حتى أتوا حلوان العراق، فأغاروا على ضواحيها فأصابوا غنيمة و سبيا، فأقبلوا بذلك حتى أرهقهم العصر، و كادت الشمس تغرب، فألجأ نضلة السبي و الغنيمة إلى سفح جبل، ثم قام فأذن فقال اللّه أكبر اللّه أكبر فأجابه مجيب من الجبل: كبرت كبيرا يا نضلة، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه فقال: كلمة الإخلاص يا نضلة، ثم قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه فقال: هو الذي بشرنا به عيسى بن مريم عليه السلام، و على رأس أمته تقوم الساعة، ثم قال: حي على الصلاة فقال: طوبى لمن سعى إليها و واظب عليها، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: قد أفلح من أجاب داعي اللّه، ثم قال: اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلا اللّه، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة، حرم اللّه بها جسدك على النار. فلما فرغ من أذانه قام فقال: من أنت يرحمك اللّه أملك أنت أم من الجن، أم طائف من عباد اللّه قد أسمعتنا صوتك فأرنا شخصك فإن الوفد وفد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و وفد عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فانفلق الجبل عن هامة كالرحا، أبيض الرأس و اللحية، عليه طمران من صوف فقال: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، فقالوا: عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته، من أنت يرحمك اللّه؟قال:
أبا رزين بن برثملا وصي العبد الصالح عيسى بن مريم عليه السلام، أسكنني في هذا الجبل، و دعا لي بطول البقاء إلى حين نزوله من السماء فاقرءوا عمر مني السلام و قولوا له: يا عمر سدد