حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٧٧ - خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه
في سبعمائة بطل إلى الشام فلما نزل بذي خشب، قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ارتدت العرب فاجتمعت الصحابة رضي اللّه عنهم و قالوا للصديق رضي اللّه عنه: رد هؤلاء أي أسامة و من معه، فقال: و اللّه الذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم، ما رددت جيشا جهزه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لا حللت عقد لواء عقده رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و في رواية لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرده ما رددته. و أمر أسامة [١] رضي اللّه عنه أن يمضي لوجهه و قال له: إن رأيت أن تأذن لعمر رضي اللّه عنه بالمقام عندي أستأنس به و أستعين برأيه، فقال له أسامة رضي اللّه عنه: قد فعلت. و سار أسامة رضي اللّه تعالى عنه، فجعل لا يمر بقبيلة تريد الارتداد، إلا قالوا: لو لا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هذا الجيش من عندهم، فلقوا الروم فقاتلوهم و هزموهم و رجعوا سالمين.
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: خرج أبي يوم الردة شاهرا سيفه، راكبا راحلته، فجاء علي رضي اللّه تعالى عنه حتى أخذ بزمام راحلته، و قال: أقول لك ما قال لك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم أحد: «شم سيفك لا تفجعنا بنفسك فو اللّه لئن أصبنا بك، لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا» و معنى شم اغمد. و قال ابن قتيبة: ارتدت العرب إلا القليل منهم فجاهدهم الصديق حتى استقاموا و فتح اليمامة و قتل مسيلمة الكذاب بها و الأسود العنسي الكذاب بصنعاء. و بعث الجيوش إلى الشأم و العراق و قال أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين و رأيت رجلا يقبل رأس رجل و يقول: أنا فداؤك، و اللّه لو لا أنت لهلكنا. فقلت: من المقبل و المقبل؟فقالوا:
عمر يقبل رأس أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما، من أجل قتال أهل الردة. و قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: لما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ارتدت العرب، و اشرأب [٢] النفاق، و نزل بأبي ما لو نزل على الجبال الراسيات لهاضها، و قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه: و اللّه الذي لا إله إلا هو لو لم يستخلف أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، ما عبد اللّه تعالى. ثم قال الثانية ثم قال الثالثة. قالوا:
و كان من اللين و التواضع على جانب عظيم. و لما مرض ترك التطبيب تسليما لأمر اللّه تعالى فعاده الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، و قالوا أ لا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟فقال: نظر إلي قالوا و ما قال لك؟قال: قال لي إني فعال لما أريد.
توفي رضي اللّه عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب و العشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، و له رضي اللّه عنه ثلاث و ستون سنة و كان سبب موته كمدا لحقه على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما زال يذيبه. و الكمد الحزن المكتوم و دفن في حجرة عائشة أم المؤمنين مع سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و كانت خلافته رضي اللّه عنه سنتين و ثلاثة أشهر و ثمانية أيام.
[١] أسامة بن زيد بن حارثة، الكناني، صحابي جليل، كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يحبه، مات بالجرف في الحجاز سنة ٥٤ هـ-.
[٢] اشرأب: علا و ظهر.