حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٧٣ - الإوز
كأنما يصفرن من ملاعق # صرصرة لأقلام في المهارق [١]
و أبو نواس شاعر ماهر، و هو من شعراء الدولة العباسية و له أخبار عجيبة، و نكت غريبة، و خمريات أبدع فيها، و اسمه الحسن بن هانئ بن عبد الأول. قال ابن خلكان في ترجمة أبي نواس قال المأمون: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول [٢] أبي نواس:
ألا كلّ حي هالك و ابن هالك # و ذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق
قال [٣] و من أحسن ما أتى به من المغاني و أغربها و يدل على حسن ظنه باللّه تعالى قوله:
تكثر ما استطعت من الخطايا # فإنك بالغ ربا غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفوا # و تلقى سيدا ملكا كبيرا
تعض ندامة كفيك مما # تركت مخافة النار الشرورا
قال محمد بن نافع: رأيت أبا نواس في المنام بعد موته فقلت: يا أبا نواس، فقال: لات حين كنية، فقلت: الحسن بن هانئ قال: نعم، قلت: ما فعل اللّه بك؟قال: غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي و هي تحت الوسادة، قال: فأتيت أهله فقلت: هل قال أخي شعرا قبل موته؟قالوا: لا نعلم، إلا إنه دعا بدواة و قرطاس و كتب شيئا لا ندري ما هو قال: فدخلت و رفعت و سادته فإذا أنا برقعة مكتوب فيها [٤] :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة # فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن # فمن الذي يدعو و يرجو المجرم [٥]
أدعوك رب كما أمرت تضرعا # فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا # و جميل عفوك ثم إني مسلم
قال: و سئل أبو نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي. و توفي سنة أربع و تسعين و مائة.
و الأوز يحب السباحة، و فرخه يخرج من البيضة فيسبح في الحال، و إذا حضنت الأنثى قام الذكر يحرسها لا يفارقها طرفة عين، و تخرج أفراخها في أواخر الشهر. روى الإمام أحمد في المناقب، عن الحسين بن كثير، عن أبيه و كان قد أدرك عليا رضي اللّه تعالى عنه، قال: خرج علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، إلى صلاة الفجر فإذا إوز يصحن في وجهه، فطردوهن فقال: دعوهن، فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم، فقلت: يا أمير المؤمنين خل بيننا و بين مراد فلا
[١] المهارق: جمع المهرق: الصحيفة.
[٢] ديوان أبي نواس: ٤٦٥. و فيه: «كل حي هالكا... و ذا نسب» .
[٣] ديوانه: ٣٠٧. و فيه: «فإنك قاصد» .
[٤] ديوانه: ٥٨٧.
[٥] في الديوان: «فبمن يلوذ و يستجير المجرم» .