حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥٣ - فائدة
فاكتسب اللحم منها هذه الخاصية. و قال إياد: إنما علمت أن الملك ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه لأنه صنع لنا طعاما و لم يأكل معنا، فعرفت ذلك من طباعه، لأن أباه لم يكن كذلك و قال أنمار: إنما علمت أن الخبز عجنته حائض، لأن الخبز إذا فت انتفش في الطعام، و هو بخلاف ذلك فعلمت أنه عجين حائض.
فأخبر الرجل الأفعى بذلك، فقال: ما هؤلاء إلا شياطين، ثم أتاهم فقال لهم: قصوا قصتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، و ما كان من اختلافهم. فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر، فصارت له الدنانير و الإبل و هي حمر فسميت مضر الحمراء. ثم قال و ما أشبه الخباء الأسود من دابة و مال، فهو لربيعة فصارت له الخيل و هي دهم فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: و ما أشبه الخادم، و كانت شمطاء، من مال، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق [١] من الخيل و غيرها و قضى لأنمار بالدراهم و الأرض. فساروا من عنده على ذلك.
و سيأتي، إن شاء اللّه تعالى، في باب الكاف في الكلام على الكلب، ما نقله السهيلي من أن ربيعة و مضر كانا مؤمنين.
و في وفيات الأعيان في ترجمة ابن التلميذ [٢] شيخ النصارى و الأطباء، أنه كان بينه و بين أوحد الزمان [٣] هبة اللّه الحكيم المشهور تنافس، و كان يهوديا فأسلم في آخر عمره، و أصابه الجذام، فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوّعها، فبالغت في نهشه، فبرئ من الجذام و عمي فعمل [٤] فيه ابن التلميذ شعرا:
لنا صديق يهودي حماقته # إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه و الكلب أعلى منه منزلة # كأنه بعد لم يخرج من التيه
و كان ابن التلميذ متواضعا و أوحد الزمان متكبرا، فعمل فيهما البديع [٥] الاسطرلابي شعرا:
أبو الحسن الطبيب و مقتفيه # أبو البركات في طرفي نقيض
فهذا بالتواضع في الثريا # و هذا بالتكبر في الحضيض
و قد ألغز أبو الحسن بن التلميذ في الميزان و أجاد [٦] :
[١] الماشية البلق: فيها سواد و بياض.
[٢] ابن التلميذ هو هبة اللّه بن صاعد، أبو الحسن، حكيم طبيب و أديب مترسل و له شعر. عاش في بغداد و اتصل بالخلفاء العباسيين، و كان نصرانيا، و له مؤلفات كثيرة في الطب و غيره. توفي سنة ٥٦٠ هـ.
[٣] أوحد الزمان هو هبة اللّه بن علي بن ملكا البلدي، أبو البركات، طبيب بغدادي، كان يهوديا و أسلم في أواخر حياته و عاش في خدمة المستنجد باللّه العباسي. مات في همذان سنة ٥٦٠ هـ. و ترك مؤلفات كثيرة متنوعة.
[٤] وفيات الأعيان: ٦/٧٤.
[٥] هو هبة اللّه بن الحسين بن يوسف الاسطرلابي، أبو القاسم، المعروف بالبديع فيلسوف من علماء الأطباء و الفلكيين، من أهل بغداد، له شعر. مات سنة ٥٣٤ هـ. و الشعر في وفيات الأعيان: ٦/٧٥.
[٦] وفيات الأعيان: ٦/٦٩.