حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٩ - الأمثال
قال: بالرفاه و البنين، قال: و شرط أهلها أن لا أخرجها من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال:
فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ اللّه، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت. قال فعلى من حكمت؟قال: على ابن أمك. قال بشهادة من؟قال: بشهادة ابن أخت خالك.
و شريح هذا هو ابن الحارث بن قيس الكندي استقضاه عمر رضي اللّه تعالى عنه على الكوفة، و أقام قاضيا بها خمسا و سبعين سنة، لم يبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، و ذلك أيام فتنة ابن الزبير رضي اللّه عنهما، فاستعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتى مات رحمة اللّه عليه.
و كان شريح من سادات التابعين و أعلامهم، و كان من أعلم الناس بالقضاء، و كان أحد السادات الطلس، و هم أربعة: عبد اللّه بن الزبير [١] ، و قيس [٢] بن سعد بن عبادة، و الأحنف بن [٣] قيس، الذي يضرب بحلمه المثل، و رابعهم شريح هذا و اللّه أعلم.
و الأطلس الذي لا شعر بوجهه و روي أن شريحا مرض له ولد، فجزع عليه جزعا شديدا فلما مات لم يجزع. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رحمة له و إشفاقا عليه، فلما وقع القضاء رضيت بالتسليم. قاله [٤] ابن خلكان و غيره.
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي [٥] رحمه اللّه تعالى: كتب زياد بن أبيه إلى معاوية:
يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي و فرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز.
فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، و هو بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت فأصابه الطاعون في يمينه فأجمع رأي الأطباء على قطعها، فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء، فأشار عليه بعدم القطع، و قال له: لك رزق مقسوم، و أجل معلوم، و إني أكره، إن كانت لك مدة، أن تعيش في الدنيا بلا يمين، و إن كان قد دنا أجلك أن تلقى اللّه مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟قلت: فرارا من قضائك و بغضا في لقائك. قال: فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، و لو لا أن المستشار مؤتمن، لوددت أنه قطع يوما يده و يوما رجله و سائر أعضائه يوما يوما. ا هـ.
و في هذا المعنى قال أبو الفتح البستي من قصيدة طويلة:
[١] هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام القرشي الأسد، أبو بكر، شهد فتح افريقية زمن عثمان، بويع له بالخلافة سنة ٦٤ هـ و قتله الحجاج سنة ٧٣ هـ.
[٢] هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري، و الصحابي من الدهاة. مات سنة ٦٠ هـ.
[٣] هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين المري السعدي، سيد تميم. داهية يضرب به المثل في حمله. شهد فتوح خراسان. و اعتزل الفتنة يوم الجمل. توفي سنة ٧٢ هـ.
[٤] وفيات الأعيان: ٢/٤٦٠.
[٥] ابن الجوزي هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، القرشي البغدادي، علامة عصره في التاريخ و الحديث، كثير التصانيف، مات سنة ٥٩٧ هـ.