حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٣٩ - الحمار الأهلي
و يقال للحمارة: أم محمود و أم تولب و أم جحش و أم نافع و أم وهب. و ليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه و يلقح إلا الحمار و الفرس. و هو ينزو إذا تم له ثلاثون شهرا و منه نوع يصلح لحمل الأثقال و نوع لين الأعطاف سريع العدو، و يسبق براذين الخيل. و من عجيب أمره أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف يريد بذلك الفرار منه. قال حبيب بن أوس الطائي [١] ، يخاطب عبد الصمد [٢] بن المعذل و قد هجاه:
أقدمت ويحك من هجوي على خطر # و العير يقدم من خوف على الأسد [٣]
و يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، و لو مرة واحدة، و بحدة السمع و للناس في مدحه و ذمه أقوال متباينة، بحسب الأغراض. فمن ذلك أن خالد بن صفوان [٤]
و الفضل بن عيسى [٥] الرقاشي كانا يختاران ركوب الحمير على ركوب البراذين، فأما خالد فلقيه بعض الأشراف بالبصرة على حمار، فقال: ما هذا يا ابن صفوان؟فقال: عير من نسل الكداد، يحمل الرحلة، و يبلغني العقبة، و يقل داؤه، و يخف دواؤه، و يمنعني من أن أكون جبارا في الأرض، و أن أكون من المفسدين. و أما الفضل فإنه سئل عن ركوبه الحمار؟فقال: إنه من أقل الدواب مئونة، و أكثرها معونة، و أخفضها مهوى، و أقربها مرتقى. فسمع أعرابي كلامه، فعارضه بقوله:
الحمار شنار، و العير عار، منكر الصوت لا ترقأ به، و لا تمهر به النساء، و صوته أنكر الأصوات.
قال الزمخشري: الحمار مثل في الذم الشنيع و الشتيمة، و من استيحاشهم لذكر اسمه أنهم يكنون عنه، و يرغبون عن التصريح به، فيقولون: الطويل الأذنين، كما يكنون عن الشيء المستقذر. و قد عد من مساوي الآداب، أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم ذوي مروءة، و من العرب من لا يركب الحمار استنكافا، و إن بلغت به الرحلة الجهد. انتهى. و المروءة بالهمز و تركه، قال الجوهري: هي الإنسانية. و قال ابن فارس هي الرجولية و قيل: إن ذا المروءة من يصون نفسه عن الأدناس، و لا يشينها عند الناس. و قيل: من يسير بسيرة أمثاله، في زمانه و مكانه. قال الدارمي قيل المروءة في الحرفة. و قيل في آداب الدين، كالأكل و الصياح في الجم الغفير و انتهار السائل، و قلة فعل الخير مع القدرة عليه. و كثرة الاستهزاء و الضحك، و نحو ذلك انتهى. و في الصحيحين و غيرهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «أ ما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل اللّه صورته صورة حمار أو يحول رأسه رأس حمار» [٦] . و معنى ذلك، و اللّه أعلم، أن يمسخ صورته كلها فيجعل رأسه رأس حمار، و بدنه بدن حمار، و فيه دليل على جواز وقوع المسخ أعاذنا اللّه منه. و هو لا يكون إلا من شدة الغضب. قال اللّه تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ
[١] الطائي: حبيب بن أوس الشاعر المشهور أبو تمّام، من كبار شعراء العصر العباسي، توفي سنة ٢٣١ هـ-.
[٢] ابن المعذل: عبد الصمد بن المعذل بن غيلان، أبو القاسم من شعراء العصر العباسي. توفي سنة ٢٤٠ هـ-.
[٣] ديوان أبي تمام: ٥١٣. و فيه: أطلعت روعك حتى صرت لي غرضا. قد يقدم العير من ذعر على الأسد.
[٤] خالد بن صفوان: من الفصحاء الأثرياء في العصر الأموي له أخبار مع الخلفاء. مات سنة ١٣٣ هـ-.
[٥] الرقاشي: أبو العباس، الفضل بن عبد الصمد، شاعر مجيد من أهل البصرة توفي سنة ٢٠٠ هـ-.
[٦] البخاري في الآذان: ٥٣. و مسلم في الصلاة: ١١٥-١١٦-١١٩. الترمذي جمعه: ٥٦.