حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣١٨ - الجواد
بمقدار شوقه. ليس هذا موضع حكاية أقوالهم، و اختلاف عباراتهم فيها، و قد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا الجوهر الفريد في أواخر الجزء الثامن، و لنذكر لمعة يستأنس بها الناظر، في هذا الكتاب. فاعلم أن المحبة على الإجمال موافقة المحبوب فيما شاء سواء فيما حزن أو سر، نفع أو ضر، و قد أشار بعضهم إلى ذلك بقوله [١] :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه و لا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللّوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم # إذ كان حظي منك حظي منهم
فأهنتني فأهنت نفسي صاغرا # ما من يهون عليك ممن يكرم [٢]
و اعلم أن الغيرة من أوصاف المحبة، و الغيرة تأبى الستر و الإخفاء، فكل من بسط لسانه في العبارة عنها و الكشف عن سرها فليس له منها ذوق، و إنما حركه وجدان الرائحة، و لو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح و الوصف. فالمحبة الصادقة لا تظهر على المحب بلفظه، و إنما تظهر بشمائله و لحظه، و لا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع امتزاج الأسرار من القلوب، و قد قيل في ذلك:
تشير فأدري ما تقول بطرفها # و أطرق طرفي عند ذاك فتفهم
تكلم منا في الوجوه عيوننا # فنحن سكوت و الهوى يتكلم
و أما محبة العوام، فهي محبة تنبت من مطالعة المنة، و تثبت باتباع السنة، و تنمو على الإجابة للغاية، و هي محبة تقطع الوساوس، و تلذذ الخدمة، و تسلي عن المصائب، و هي في طريق العوام عمدة الإيمان فعند القوم كل ما كان من العبد، فهو علة تليق بعجز العبد و فاقته. و إنما عين الحقيقة أن يكون العبد قائما بإقامة الحق له، محبا بمحبته له نظارا بنظره إليه من غير أن تبقى فيه بقية تقف على رسم، أو تناط باسم، أو تتعلق بأثر، أو توصف بنعت، أو تنسب إلى وقت، صم بكم عمي لدينا محضرون.
و روي: عن إبراهيم الخواص، رحمة اللّه عليه، أنه قال: عطشت، في بعض سياحاتي، عطشا شديدا، حتى سقطت من شدة العطش، فإذا أنا بماء قد سقط على وجهي، فأحسست ببرده على فؤادي، ففتحت عيني فإذا أنا برجل ما رأيت أحسن منه على جواد أشهب، عليه ثياب خضر و عمامة صفراء، و بيده قدح، فسقاني منه شربة، و قال لي: ارتدف خلفي فارتدفت، فلم يبرح حتى قال لي: ما ترى؟قلت: المدينة. قال: انزل و اقرأ على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مني السلام و قل له:
رضوان خازن الجنة يقرأ عليه السلام. و هذه كرامة عظيمة، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، و اللّه ذو الفضل العظيم. قال شيخنا اليافعي: من رأيتموه يزدري بالأولياء، أو ينكر مواهب الأصفياء، فاعلموا أنه محارب للّه مبعد من رحمته مطرود عن حقيقة قربه به و اللّه أعلم.
[١] في العقد الفريد: ٥/٣٧٤ لأبي الشيص، انظر ديوانه ١٠١.
[٢] و في الديوان: «نفسي جاهدا» .