حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٩٦ - الحكم
رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ما منكم من أحد إلا و قد وكل به قرينه من الجن، قالوا:
و إياك يا رسول اللّه؟قال: و اياي إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» [١] . روي فأسلم بفتح الميم و ضمها و صحح الخطابي الرفع و رجح القاضي عياض و النووي الفتح و هو المختار. و أجمعت الأمة على عصمة النبي صلى اللّه عليه و سلم من الشيطان، و إنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين و وسوسته و إغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه، بحسب الإمكان. و أما عصمته صلى اللّه عليه و سلم من الكبائر، فمجتمع عليها و كذلك سائر الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين. و في الصغائر خلاف ليس هذا موضع ذكره. و الصحيح أنهم صلى اللّه عليهم و سلم معصومون من الكبائر و الصغائر.
و كذلك الملائكة عليهم السلام كما قاله القاضي و غيره من المحققين. فإذا علم هذا فاعلم أن الأحاديث في وجود الجن و الشياطين لا تحصى و كذلك أشعار العرب و أخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر ثم إنه أمر لا يحيله العقل، و لا يكذبه الحس و لذلك جرت التكاليف عليهم. و مما اشتهر أن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه لما لم يبايعه الناس و بايعوا أبا بكر رضي اللّه عنه، سار إلى الشأم فنزل حوران و أقام بها إلى أن مات في سنة خمس عشرة و لم يختلف أنه وجد ميتا في مغتسله بحوران و أنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلا يقول في بئر:
قد قتلنا سيد الخز # رج سعد بن عبادة
فرميناه بسهميـ # ن و لم نخط فؤاده
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه. و وقع في صحيح مسلم أن سعدا شهد بدرا. و قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس: و الصحيح أنه لم يشهد بدرا. كذا رواه الطبراني من حديث محمد بن سيرين و قتادة و كلاهما أدرك سعد أو روى عن حجاج بن علاط السلمي و هو والد نصر بن حجاج الذي قيل [٢] فيه:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها # أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
انه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخيف موحش، فقال له أهل الركب: قم فخذ لنفسك أمانا و لأصحابك فجعل يطوف بالركب و يقول:
أعيذ نفسي و أعيذ صحبي # من كل جني بهذا النقب
حتى أعود سالما و ركبي
فسمع قائلا يقول: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [٣] الآية فلما قدم مكة أخبر كفار قريش بما سمع، فقالوا: صبأت يا أبا كلاب. إن هذا الذي قلته يزعم محمد أنه أنزل عليه، فقال: و اللّه لقد سمعته و سمعه هؤلاء معي. ثم أسلم و حسن إسلامه، و هاجر إلى المدينة، و ابتنى بها مسجدا يعرف به. و عند ابن سعد و الطبراني
[١] رواه مسلم في المنافقين: ٦٩، و الدارمي في الرفاق ٢٥. و ابن حنبل: ١-٣٨٥-٣٩٧-٤٠١-٤٦٠.
[٢] عيون الأخبار: ٤/٢٤. و فيه: «أ لا سبيل... أم هل سبيل» .
[٣] سورة الرحمن: الآية ٣٣.