حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٥٧ - الثعلب
عنق الغزال بالمخلب الآخر الذي كان أمسكه به في خده و أصل عنقه. و إذا به قد دق عنقه و صرعه، فلحقناه و ذكيناه و وقعت البشارة فقال ابن الحبال و من معه: ما رأينا قط صقرا أفره من هذا و خلع على الصقار خلعة حسنة.
و حكى: القاضي أبو علي التنوخي، قال: أخبرني أبو القاسم البصري قال: أخبرني بعض الجمدارية من الجند أنه كان مع قائد من قوادهم في الصيد و معه عقاب يتصيد به و قد اصطاد و استكفى، إذ اضطرب العقاب، على يد العقاب اضطرابا شديدا فخاف على نفسه، لأن العقاب ربما أتلف عقابه، إذا منعه من إرادته و ليس يجري مجرى غيره من الجوارح فأرسله العقاب فطار، و طرد وراءه فإذا به قد سقط على شيخ ضعيف، كان يجر شوكا، و هو يمشي على أربعة فنسره و دق عنقه و أتلفه، و ولغ في دمه و أكل من لحمه. و إذا بالعقاب قد جاء إلى القائد فقال له: ما الخبر؟فقال له: يا سيدي اصطاد العقاب شيخا وحشيا بريا، و كان يسمعنا نقول اصطد لنا وحشيا و سنورا بريا فقد رأى شيخا بريا وحشيا مثله، و لم يفكر أن العقاب أتلف رجلا مسلما.
فقال القائد: ويحك ما تقول؟و حرك فحركنا وراءه فوجدنا الشيخ فاغتم لذلك غما شديدا و عجبنا من أمر العقاب.
و حكى: القاضي التنوخي في كتابه أيضا، قال: حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان ابن فهد قال: حدثني بعض المتصيدين. و قد تجارينا عجائب ما يجري فيه، فقال: من أحسن و أظرف ما رأينا منه أن بازيا كان لفلان، و سماه أرسله فاصطاد دراجا، و قبض عليه بإحدى يديه، و ترجل كما جرت به العادة و أمسكه ينتظر البازداري فيذبحه و يطعمه منه، كما جرت العادة في مثل ذلك. و هو على جانبه إذ أبصر دراجا آخر يطير، فطار و الدراج الأول في إحدى يديه حتى قبض على الدراج الآخر فاصطاده و ترجل، و قد أمسكهما بيديه جميعا، فاجتمعنا و شاهدناه على هذه الحالة، فاستظرفناه ثم أخذناهما من يديه. و ذكر [١] ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء، و الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، عن الشعبي، أنه قال: مرض الأسد فعاده جميع السباع ما خلا الثعلب، فنم عليه الذئب، فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني. فلما حضر أعلمه فعاتبه في ذلك فقال: كنت في طلب الدواء لك. قال: فأي شيء أصبت؟قال: خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج!فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب، و انسل الثعلب. فمر به الذئب بعد ذلك، و دمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر ما ذا يخرج من رأسك. قال الحافظ أبو نعيم: لم يقصد الشعبي، من هذا سوى ضرب المثل و تعليم العقلاء و تنبيه الناس، و تأكيد الوصية في حفظ اللسان، و تهذيب الأخلاق و التأدب بكل طريق. و في مثل ذلك قيل:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلي # إن البلاء موكل بالمنطق
و روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أنه [٢] قال: «نهانا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الصلاة عن ثلاثة نقرة كنقرة الديك، و إقعاء كإقعاء الكلب، و التفات كالتفات الثعلب» . و قيل للشعبي: يقال: في المثل إن «شريحا أدهى من الثعلب و أحيل» : فما هذا؟فقال: خرج شريح أيام
[١] كتاب الأذكياء: ٢٤١.
[٢] رواه أحمد: ٢/٣١١.