حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٤٢ - التيس
فقالوا: لنا ولد ليوسف من الفارعة، و قد أبى أن يقبل ثدي أمه. فقال: اذبحوا له تيسا أسود و ألعقوه دمه. ثم ذبحوا له أسود سالخا و أولغوه من دمه، و أطلوا به وجهه ثلاثة أيام فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع. ففعلوا به كذلك فقبل الثدي. و كان لا يصبر عن سفك الدماء و كان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء. و ارتكب أمورا لا يقدر عليها غيره. و في تاريخ [١] ابن خلكان أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج كتابا يتهدده في آخره بهذه الأبيات:
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها # و تطلب رضاي بالذي أنا طالبه [٢]
و تخش الذي يخشاه مثلك هاربا # إليّ فها قد ضيع الدر جالبه
فإن ترمني غفلة قرشية # فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه
و إن ترمني وثبة أموية # فهذا و هذا كله أنا صاحبه
فلا تأمنني و الحوادث جمة # فإنك تجزي بالذي أنت كاسبه [٣]
فأجابه الحجاج و قال في آخر جوابه: و أما ما أتاني من أمريك فألينهما غرة، و أصعبهما محنة، و قد عبأت للغرة الجلد و للمحنة الصبر، فلما قرأ عبد الملك كتابه قال: خاف أبو محمد صولتي و لن أعود إلى ما يكره. و كان الحجاج كثيرا ما يسأل القراء، فدخل عليه يوما رجل فقال له الحجاج: ما قبل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ [٤] ؟فقال له الآخر: قوله تعالى [٥] قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ فما سأل أحدا بعدها. و قال الحجاج لرجل من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث [٦] : و اللّه إني لأبغضك. فقال الرجل: أدخل اللّه أشدنا بغضا لصاحبه الجنة. و كان أول ما ظهر من كفاءة الحجاج أنه كان في شرطة روح بن زنباع [٧] وزير عبد الملك بن مروان، و كان عسكر عبد الملك لا يرحل برحيله و لا ينزل بنزوله. فشكا عبد الملك ذلك لروح بن زنباع فقال له: يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل يقال له الحجاج بن يوسف، لو ولاه أمير المؤمنين أمر العسكر، لأرحل الناس برحيل أمير المؤمنين و أنزلهم بنزوله. فولاه عبد الملك أمر العسكر فأرحل الناس برحيل عبد الملك و أنزلهم بنزوله. فرحل يوما عبد الملك و رحل الناس، و تأخر أصحاب روح بن زنباع عن الرحيل، فمرّ عليهم الحجاج و هم يأكلون، فقال لهم: ما بالكم لن ترحلوا مع العسكر؟فقالوا له: انزل و تغد ودع عنك هذا الكلام يا ابن اللخناء. فقال: هيهات ذهب ما هناك ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، و بخيل روح فعرقبت، و بالفساطيط فأحرقت فبلغ ذلك
[١] وفيات الأعيان: ٢/٣٥.
[٢] في الوفيات: «... طلبت رضاي بالذي أنت طالبه» .
[٣] في الوفيات: «... فإنك مجزي... » .
[٤] سورة الزمر: الآية ٩.
[٥] سورة الزمر: الآية ٨.
[٦] ابن الأشعث: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أمير من القادة الدهاة، سيره الحجاج إلى سجستان فافتتح بعض قلاعها و لم يتوغل إلى داخلها، فاتهمه الحجاج بالضعف، فعاد إليه و قاتل جيشه و ظفر، و لكن، و بعد مواقع كثيرة قضي على ثورته و قتل سنة ٨٥ هـ-.
[٧] روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي، أبو زرعة، أمير فلسطين لعبد الملك بن مروان. مات سنة ٨٤ هـ-.