حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٢٦ - البلبل
و من محاسن شعره أيضا قوله:
سقى اللّه أرضا نور وجهك شمسها # و أحيا بلادا أنت في افقها بدر
و روّى بقاعا جود كفك غيثها # ففي كل قطر من نداك بها قطر
و له أيضا:
تسلسل دمعي و هو لا شك مطلق # و صح حقيقا حين قالوا: تكسرا
و في قلب مائي للقلوب مسرة # و قالوا سيجزى بالهنا و كذا جرى
و له أيضا:
بعيني رأيت الماء ألقى بنفسه # على رأسه من شاهق فتكسرا
و قام على إثر التكسر جاريا # ألا فاعجبوا ممن تكسر قد جرى
و له أيضا:
أنفقت كنز مدائحي في ثغره # و جمعت فيه كل معنى شارد
و طلبت منه جزاء ذلك قبلة # فأبى و راح تغزلي في البارد
و العرب تقول: البلبل يعندل، أي يصوّت و روى الحافظ أبو نعيم و صاحب الترغيب و الترهيب من حديث مالك بن دينار أن سليمان بن داود صلى اللّه عليهما و سلم، مر على بلبل فوق شجرة يصفر و يحرك رأسه و يميل ذنبه فقال لأصحابه: أ تدرون ما يقول؟قالوا: لا، قال: إنه يقول:
أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. و هو بالمد أي على الدنيا الدروس، و ذهاب الأثر. و قيل: العفاء التراب. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين في لفظ العقعق. عن الزمخشري أنه ذكر في تفسير قوله [١] تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللََّهُ يَرْزُقُهََا عن بعضهم أن البلبل يحتكر القوت. حكى البويطي عن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أنه كان في مجلس مالك بن أنس رضي اللّه تعالى عنه و هو غلام، فجاء رجل إلى مالك فاستفتاه، فقال: إني حلفت بالطلاق الثلاث إن هذا البلبل لا يهدأ من الصياح. فقال له مالك: قد حنثت. فمضى الرجل، فالتفت الشافعي رضي اللّه تعالى عنه إلى بعض أصحاب مالك فقال: إن هذه الفتيا خطأ فأخبر مالك بذلك، و كان مالك رضي اللّه تعالى عنه مهيب المجلس لا يجسر أحد أن يراده، و ربما جاء صاحب الشرطة فوقف على رأسه إذا جلس في مجلسه، فقالوا لمالك: إن هذا الغلام يزعم أن هذه الفتيا إغفال و خطأ!فقال له مالك: من أين قلت هذا؟فقال له الشافعي أ ليس أنت الذي رويت لنا عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، في قصة فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها، أنها قالت للنبي صلى اللّه عليه و سلم أن «أبا جهم و معاوية خطباني، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاقته، و أما معاوية فصعلوك لا مال له [٢] » . فهل كانت عصا أبي جهم دائما على عاتقه؟و إنما أراد من ذلك الأغلب. فعرف مالك
[١] سورة العنكبوت: الآية ٦٠.
[٢] رواه: أبو داود في الطلاق: ٣٩. و مسلم في الرضاع: ١٠١. و الموطأ طلاق: ٦٧. و أحمد: ٦/٤١٢.