حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٠٩ - الأمثال
«أعقر من بغل و أعقم من [١] بغلة» . و قالوا: «أعيب من بغلة أبي دلامة» ، و اسمه زند بن الجون كوفي أسود، كان مولى لبني أسد، و كان صاحب نوادر: فمنها أنه مرض له ولد، فاستدعى طبيبا ليداويه و شرط له جعلا معلوما، فلما برئ ولده، قال له: و اللّه ما عندنا شيء نعطيك إياه، و لكن ادّع على فلان اليهودي بمقدار الجعل، و كان ذا مال كثير، و أنا و ولدي نشهد لك بذلك. فمضى الطبيب إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى و حمل إليه اليهودي و ادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر.
فقيل: أ لك بينة؟قال: نعم، قال: أحضرها، فدخل أبو دلامة و هو ينشد و القاضي يسمع شعره [٢] :
إن الناس غطوني تغطيت عنهم # و إن بحثوا عني ففيهم مباحث
و إن نبئوا بئري نبئت بئارهم # ليعلم قوم كيف تلك النبائث
فلما شهدا عند القاضي، قال لهما: شهادتكما مقبولة و كلامكما مسموع. ثم غرم المبلغ من عنده و جمع بين المصلحتين. و منها أنه خاصم رجلا إلى عافية بن يزيد القاضي فقال:
لقد خاصمتني غواة الرجال # و خاصمتهم سنة وافية
فما أدحض اللّه لي حجة # و ما خيّب اللّه لي قافية
فمن كنت من جوره خائفا # فلست أخافك يا عافية
فقال له عافية: لأشكونك لأمير المؤمنين، قال و لم؟قال: لأنك هجوتني. قال: أبو دلامة إن شكوتني ليعزلنك قال: و لم؟قال: لأنك لا تعرف الهجاء من المدح. و منها ما قاله الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: روي أن أبا دلامة دخل على المهدي، فأنشده قصيدة فقال له: سلني حاجتك، فقال:
يا أمير المؤمنين هب لي كلبا، فغضب المهدي و قال: أقول لك سلني حاجتك، فتقول: هب لي كلبا!. فقال: يا أمير المؤمنين الحاجة لي أم لك؟قال: بل لك قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد، فأمر له بكلب. فقال: يا أمير المؤمنين هبني خرجت إلى الصيد، أ فأعدو على رجلي؟فأمر له بدابة. فقال: يا أمير المؤمنين فمن يقوم عليها؟فأمر له بغلام. فقال يا أمير المؤمنين هبني صدت صيدا فأتيت به المنزل فمن يطبخه لي؟فأمر له بجارية. فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء أين يبيتون؟ فأمر له بدار. فقال: يا أمير المؤمنين قد صار في عنقي جماعة من العيال، فمن أين لي ما يقوت هؤلاء؟قال: فإن أمير المؤمنين قد أقطعك ألف جريب عامرا و ألف جريب غامرا. فقال: أما العامر فقد عرفت. فما الغامر؟قال: الخراب الذي لا شيء فيه. فقال: أنا أقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب غامرة بالبدو، و لكني أسأل أمير المؤمنين من ألف جريب جريبا واحدا عامرا.
قال: من أين؟قال: من بيت المال. فقال المهدي حوّلوا المال و أعطوه جريبا. فقال: يا أمير المؤمنين إذا حوّلوا منه المال صار غامرا فضحك المهدي منه و أرضاه.
قلت: و قد أذكرتني هذه الحكاية ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الأذكياء، بسنده عن محمد بن إسحاق السراج، قال: أنبأنا داود بن رشيد قال: قلت للهيثم بن عدي: بأي شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء و أنزله منه تلك المنزلة الرفيعة؟قال: إن
[١] مجمع الأمثال: ٢/٤٤، و فيه: أعقر من بغلة.
[٢] البيتان في وفيات الأعيان: ٢/٣٢٥.