حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٨١ - فرع
يا ذا الذي بقراع السيف هدّدنا # لا قام قائم جنبي حين تصرعه [١]
قام الحمام إلى البازي يهدده # و استيقظت لأسود الغاب اضبعه [٢]
أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه # يكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه
وقفنا على تفصيله و جمله، و علمنا ما تهددنا به من قوله و عمله، فيا للّه العجب من ذبابة تطن في إذن فيل، و بعوضه تعد في التماثيل، و لقد قالها قبلك آخرون، فدمرنا عليهم و ما كان لهم ناصرون، أو للحق تدحضون، و للباطل تنصرون، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، و أما ما صدرت به من قولك من قطع راسي و قلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة، و خيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض. كم بين قوي و ضعيف، و دني و شريف؟و إن عدنا إلى الظواهر و المحسوسات، و عدلنا عن البواطن و المعقولات، قلنا اسوة برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في قوله [٣] «ما أوذي نبي ما أوذيت» .
و قد علمتم ما جرى على عترته، و أهل بيته و شيعته، و الحال ما حال و الأمر ما زال، و للّه الحمد في الآخرة و الأولى، إذ نحن مظلومون لا ظالمون، و مغصوبون لا غاصبون. و قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، و قد علمتم ظاهر حالنا، و كيف قتال رجالنا، و ما يتمنونه من الفوت، و يتقربون به إلى حياض الموت، قال: فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ `وَ لاََ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالظََّالِمِينَ [٤] .
و في أمثال العامة السائرة: «أ و للبط تهددين بالشط» .
فهي للبلايا جلبابا، و تدرع للرزايا أثوابا، فلأظهرن عليك منك، و لأفنينهم فيك عنك، و لا تكونن كالباحث عن حتفه بظلفه، و الجادع مارن أنفه بكفه، و إذا وقفت على كتابنا فكن لأمرنا بالمرصاد، و من حالك على اقتصاد، و اقرأ أوّل النحل و آخر صاد، ثم اختتمها بهذين البيتين [٥] .
بنا نلت هذا الملك حتى تأثلت # بيوتك فيه و استقرّ عمودها
فأصبحت ترمينا بنبل بنا استوى # مغارسها قد ما وفينا جديدها
و يشبه هذا ما حكاه أيضا في ترجمة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب، و كان بينه و بين الأدفونش صاحب طليطلة، مكاتبات قال: بعث الأدفونش رسولا إلى الأمير يعقوب يتوعده و يتهدده، و يطلب منه بعض الحصون، و كتب إليه رسالة من إنشاء وزيره ابن النجار و هي:
[١] في الوفيات: «لا قام مصرع» .
[٢] في الوفيات: «لأسود البر» .
[٣] رواه الترمذي في القيامة: ٣٤. و ابن ماجة في المقدمة: ١١. و رواه ابن حنبل: ٣/١٢٠، ٢٨٦.
[٤] سورة الجمعة: الآية ٦-٧.
[٥] وفيات الأعيان: ٥/١٨٧. و في البيت الأول: «بيوتك فيها و اشمخر... » و في البيت الثاني «... مغارسها منا و فينا حديدها» .