العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٢ - الرشيد و الأصمعي
أحسن ما أدّيت في قدر ما سئلت!أسمعني كلمة عدي بن الرقاع في الوليد بن يزيد ابن عبد الملك، قوله:
عرف الديار توهّما فاعتادها
فقال الفضل. يا أمير المؤمنين، ألبستنا ثوب السهر ليلتنا هذه لاستماع الكذب!لم تأمره يسمعك ما قالت الشعراء فيك و في آبائك؟قال: ويحك!إنه أدب و قلما يعتاض عن مثله، و لأن أسمع من ثقيف بعبارة تشغله العناية بها عمره، أحبّ إليّ من أن تشافهني به الرسوم، و للممتدح بهذا الشعر حركات سترد عليك، و لا تقدر أن تصدر من غير انتفاع بها، و لا أكون أول مستنّ طريقة ذكر لم تؤدها الرواية. قال الفضل:
قد و اللّه يا أمير المؤمنين شاركتك في الشوق، و أعنتك على التّوق، ثم التفت إليّ الفضل فقال: احدبنا ليلتك منشدا، هذا سيدي أمير المؤمنين قد أصغى إليك مستمعا، فمرّ و يحك في عنان الإنشاد، فهي ليلة دهرك لم تنصرف إلا غانما. قال الرشيد: أما إذ قطعت على فاحلف لتشركني في الجزاء، فما كان لي في هذا شيء لم تقاسمنيه. قال الفضل: قد و اللّه يا أمير المؤمنين و طنت [١] نفسي على ذلك متقدما فلا تجعلنّه وعيدا، قال الرشيد: لا أجعله وعيدا. قال الأصمعي: الآن ألبس رداء التّيه على العرب كلّها، و إني أرى الخليفة و الوزير و هما يتناظران في المواهب لي، فمررت في سنن الإنشاد حتى بلغت إلى قوله:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه # قلم أصاب من الدّواة مدادها [٢]
فاستوى جالسا، ثم قال: أتحفظ في هذا شيئا؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الفرزدق لما قال عدي:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه
[١] وطّن نفسه: عوّدها.
[٢] الأغنّ: الذي في صوته غنّه.