العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦١ - الرشيد و الأصمعي
فخرج من موكب الصّغد فارس معلم [١] بعذبات [٢] سود في قلنسوته، قد وضع نشابته في الوتر، ثم صاح: أين رماة الحرب؟قالوا: قد أنصف القارة من راماها.
و الملك أبو حسان إذ ذاك المضاف إليه.
قال الرشيد: أحسنت، أرويت للعجاج و رؤبة شيئا؟قلت: هما يا أمير المؤمنين يتناشدان لك بالقوافي و إن غابا عنك بالأشخاص. فمد يده فأخرج من تحت فراشه رقعة، ثم قال: أسمعني. فقلت:
أرّقني طارق هم طرقا
فمضيت فيها مضيّ الجواد في سنن ميدانه، تهدر بها أشداقي، حتى إذا صرت إلى مدح بني أمية ثنيت عنان اللسان إلى امتداحه المنصور في قوله:
قلت لزير لم تصله مريمه [٣]
قال: أ عن حيرة أم عن عمد؟قلت: عن عمد، تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده. قال الفضل: أحسنت بارك اللّه فيك، مثلك يؤمل لهذا الموقف. قال الرشيد: ارجع إلى أول هذا الشعر. فأخذت من أوله حتى صرت إلى صفة الجمل فأطلت، فقال الفضل: مالك تضيّق علينا كلّ ما اتسع لنا من مساعدة السّهر في ليلتنا هذه بذكر جمل أجرب؟صره إلى امتداح المنصور حتى تأتي على آخره. فقال الرشيد: اسكت، هي التي أخرجتك من دارك، و أزعجتك من قرارك، و سلبتك تاج ملكك، ثم ماتت، فعمل جلودها سياطا تضرب بها قومك ضرب العبيد!ثم قهقه، ثم قال: لا تدع نفسك و التعرض لما تكره. فقال الفضل: لقد عوقبت على غير ذنب، و الحمد للّه!قال الرشيد: أخطأت في كلامك يرحمك اللّه!لو قلت:
و أستغفر اللّه!قلت صوابا، إنما يحمد اللّه على النّعم. ثم صرف وجهه إليّ و قال: ما
[١] الفارس المعلم: الذي له علامة في الحرب.
[٢] العذبات: جمع عذبة، و هي طرف الشيء. يريد أسبل لعمامته عذبتين من خلفها.
[٣] زير، أي زير نساء. و مريمه: امرأة.