العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٠ - الرشيد و الأصمعي
أجفان الرشيد، فقال: هل بالحضرة أحد يحسن الشعر؟فقلت: اللّه أكبر!رب قيد مضيقة قد فكه التيسير للإنعام!أنا صاحبك إن كان صاحبك من طلب فأدمن، و حفظ فأتقن. فأخذ بيدي. ثم قال: ادخل أن يختم اللّه لك بالإحسان لديه و التصويب، فلعلها أن تكون ليلة تعوّض صاحبتها الغنى. قلت: بشّرك اللّه بالخير! قال: و دخلت، فواجهت الرشيد في البهو جالسا كأنما ركب البدر فوق أزراره جمالا، و الفضل بن يحيى إلى جانبه، و الشمع يحدق به على قضب المنابر، و الخدم فوق فرشه وقوف، فوقف بي الخادم حيث يسمع تسليمي، ثم قال: سلّم!فسلمت، فردّ، ثم قال: ينحّى قليلا روعه، إن وجد لروعه حسّا. فقعدت حتى سكن جأشي قليلا، ثم أقدمت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إضاءة كرمك، و بهاء مجدك، مجيران لمن نظر إليك من اعتراض أذية له، أ يسألني أمير المؤمنين فأجيب، أم أبتدئ فأصيب، بيمن أمير المؤمنين و فضله؟قال: فتبسم الفضل، ثم قال: ما أحسن ما استدعى الاختبار استسهل به المفاتحة، و أجدر به أن يكون محسنا. ثم قال الفضل: و اللّه يا أمير المؤمنين لقد تقدّم مبرّزا محسنا في استشهاده على براءته من الحيرة، و أرجو أن يكون ممتعا. قال:
أرجو. ثم قال: ادن. فدنوت، فقال: أ شاعر أم راوية؟قلت: راوية يا أمير المؤمنين. قال: لمن؟قلت: لذي جدّ و هزل بعد أن يكون محسنا. قال: و اللّه ما رأيت أدعى لعلم، و لا أخبر بمحاسن بيان فتقته [١] الأذهان منك، و لئن صرت حامدا أثرك لتعرفن الإفضال متوجّها إليك سريعا. قلت: أنا على الميدان يا أمير المؤمنين، فيطلق أمير المؤمنين من عقالي مجيبا فيما أحبه قال:
قد أنصف القارة من راماها
ثم قال: ما معنى المثل في هذه الكلمة بديّا؟قلت: ذكرت العرب يا أمير المؤمنين أن التبابعة كانت لهم رماة لا تقع سهامهم في غير الحدق، فكانت تكون في الموكب الذي يكون فيه الملك، على الجياد البلق [٢] ، بأيديهم الأسورة و في أعناقهم الأطواق،
[١] فتق: قوّم و وسّع.
[٢] الجياد البلق: التي فيها سواد و بياض.