العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٤ - الرشيد و الأصمعي
و علمت حتى لا أسائل واحدا # عن حرف واحدة لكي أزدادها
قال: و كان من خبرهم ما ذا؟قلت: ذكرت الرواة أنّ جريرا لما أنشد عدي هذا البيت، قال: بلى و اللّه و عشر مئين [١] . قال عدي: وقر [٢] في سمعك أثقل من الرصاص، هذا و اللّه يا أمير المؤمنين المديح المنتقى. قال الرشيد: و اللّه إنه لنقيّ الرصاص، هذا و اللّه يا أمير المؤمنين المديح المنتقي. قال الرشيد: و اللّه إنه لنقيّ الكلام في مدحه و تشبيبه. قال الفضل: يا أمير المؤمنين، لا يحسن عدي أن يقول:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم # و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا
قال الرشيد: بلى قد أحسن. ثم التفت إليّ فقال: ما حفظت له في هذا الشعر شيئا حين قال:
أطفأت نيران الحروب و أوقدت # نار قدحت براحتيك زنادها [٣]
قلت: ذكرت الرواة أنه يا أمير المؤمنين حك يمينا بشمال مقتدحا بذلك، ثم قال:
الحمد للّه على هبة الإنعام. ثم قال الرشيد: رويت لذي الرّمّة شيئا؟قلت: الأكثر يا أمير المؤمنين. قال: و اللّه لا أسألك سؤال امتحان، و لا كان هذا عليك، و لكنني أجعله سببا للمذاكرة، فإن وقع عن عرفانك، و إلا فلا ضيق عليك بذلك عندي، فما ذا أراد بقوله:
ممرّ أمرّت متنه أسديّة # يمانيّة حلاّلة بالمصانع [٤]
قلت: وصف يا أمير المؤمنين حمارا وحشيّا أسمنه بقل روضة تشابكت فروعه، ثم تواشجت عروقه، من قطر سحابة كانت في نوء الأسد، ثم في الذراع منه. قال:
أصبت، أ فترى القوم علموا هذا من النجوم، بنظرهم، إذ هو شيء قلما يستخرج بغير أسباب للذين رويت لهم أصوله، أو أدّتهم إليه الأوهام و الظنون؟فاللّه أعلم بذلك.
[١] مئين: جمع مائة.
[٢] و قرت الأذن: ثقل سمعها.
[٣] الراحة: باطن اليد.
[٤] ممر: مدمج الخلق مفتول. و أمرت متنه: أدمجته. و أسدية: سحابة بنو الأسد.