العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٥ - الرشيد و الأصمعي
قلت: يا أمير المؤمنين، هذا كثير في كلامهم، و لا أحسبه إلا عن أثر [١] ألقي إليهم. قال: قلما أجد الأشياء لا تثيرها إلا الفكر في القلوب، فإن ذهبت إلى أنه هبة اللّه. قال: ذهبت إلى ما أدّتهم إليه الأوهام. ثم قال: أرويت للشماخ شيئا؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: يعجبني منه قوله:
إذا ردّ من ثني الزّمام ثنت له # جرانا كخوط الخيزران المموّج [٢]
قلت: يا أمير المؤمنين، هي عروس كلامه. قال: فأيها الحسن الآن من كلامه؟ قلت: الرائية. و أنشدته أبياتا منها، قال: أمسك، ثم قال: أستغفر اللّه ثلاثا، أرح قليلا و اجلس، فقد أمتعت منشدا، و وجدناك محسنا في أدبك، معبرا عن سرائر حفظك، ثم التفت إلى الفضل، فقال: لكلام هؤلاء و من نقدّم من الشعراء، ديباج الكلام الخسروانيّ [٣] يزيد على القدم جدّة و حسنا، فإذا جاءك الكلام الزيّن بالبديع، جاءك الحرير الصيني المذهب، يبقى على المحادثة في أفواه الرّواة، فإذا كان له رونق صواب، وعته الأسماع، و لذّ في القلوب، و لكن في الأقل منه، ثم قال: يعجبني مثل قول مسلم في أبيك و أخيك الذي افتتحه بمخاطبة حليلته مفتخرا عليها بطول السّرى في اكتساب المغانم حيث قال:
أجدك هل تدرين أن ربّ ليلة # كأنّ دجاها من قرونك ينشر [٤]
صبرت لها حتى تجلّت بغرّة # كغرّة يحيى حين يذكر جعفر [٥]
أ فرأيت؟ما ألطف ما جعلهما معدنا لكمال الصفات و محاسنها!ثم التفت إليّ فقال:
أجد ملالة، و لعل أبا العباس يكون لذلك أنشط، و هو لنا ضيف في ليلتنا هذه، فأقم معه مسامرا له!ثم نهض، فتبادر الخدم، فأمسكوا بيده حتى نزل عن فرشه، ثم
[١] الأثر: ما خلفه السابقون.
[٢] الخوط: الغصن الناعم، أو القضيب. و الجران: باطن العنق من البعير و غيره.
[٣] الخسرواني: نوع من الثياب.
[٤] القرن: موضع القرن من رأس الانسان.
[٥] الغرّة: الطلعة.