البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٥٣ - القول في الري و الدنباوند
نهضت تلك الطيور إلى جلود هذا الدود فأكلتها.
فلم تزل العسكر في القرية أياما يرومون الوصول إلى موضع البيوراسف و لا يهتدون لموضع الجبل في الصعود. فبينا هم كذلك إذ أتاهم شيخ قد نيف على مائة سنة فسائلهم عما قدموا له، فعرّفوه الخبر، و إذا على الجبل حوانيت كثيرة فيها قوم من الحدادين حول تلك القلّة عليهم نوائب يضربون مطارقهم على سنداناتهم ساعة بعد ساعة و يتكلمون عليها بكلام يهجسون به موزون عند ضربهم، لا يفترون ليلا و لا نهارا. فسألوا الشيخ عن الخبر، فقال لهم: هذه الحوانيت و ضرب هؤلاء على السندانات، طلسم على البيوراسف لئلا ينحل عن وثاقه، و إنه لدائب بلحس سلاسله و أغلاله، فإذا ضربت هذه المطارق عادت أغلاله و سلاسله إلى ما كانت عليه من الغلظ. فإن أحببتم الوقوف على صحة هذا الحيوان المحبوس في هذه القلة حتى لا يتخالجكم فيه ريب أريتكم برهان ذلك. فقال له القائد: ما جئت لغير هذا الذي وصفت. فأحضر الشيخ سلما مخروزا محكما من الصرم و سككا من سكك الحديد و جمع شباب القرية حتى صعد منهم من صعد على تلك السلّم من قرار القلّة إلى مقدار مائة ذراع في الجبل ثم أراهم في الجانب الشرقي من القلة عند مطلع الشمس جوبة عظيمة و عليها أسكفة باب حديد عليه مسامير من حديد مذهبة مكتوب عليها [١٤٤ ب] بالفارسية ما أنفق على كل مسمار و فوق الأسكفة كتابة تخبر أن على القلة سبعة أبواب من حديد، على كل باب أربعة أقفال قد كتب على بعض المسامير: لهذا الحيوان أمد يجري إلى غايته و نهاية لا يعدوها، فلا يعرض خلق لفتح شيء منها فيهجم من هذا الملعون على ما لا يقوم له أهل الأرض و لا حيلة لأحد عما يريد.
فقال القائد [١]: و يحكم حيوان منذ آلاف من السنين يبقى بغير قوت؟ فقال الشيخ: طعامه القديم الذي تغدى به مطلسم في جوفه، فهو يتغلغل في صدره و يرتفع إلى لهواته حتى تمتلأ منه، و قد منع من إخراجه. فذلك غذاؤه. فانصرفوا
[١] في المختصر: فقال موسى بن حفص.