البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٦٤ - القول في همذان
سقيا لظلّك يا أروند من جبل* * * و إن رميناك بالهجران و الملل
هل يعلم الناس ما كلّفتني حججا* * * من حبّ مائك إذ يشفي من العلل
لا زلت تكسى على الأنوار أردية* * * من ناضر أنق أو ناعم خضل
حتى تزور العذارى كلّ شارقة* * * أفياء سفحك يستصبين ذا الغزل
و أنت في حلل و الجوّ في حلل* * * و البيض في حلل و الروض في حلل
و قالوا: أطيب البلدان ما طاب هواؤه و عذب ماؤه و كثر كلأه. و الماء مزاج الروح و صفي النفس و قوام الأبدان الناطق و غير الناطق بمجانسته لها و معادلته إياها.
و من فضيلته أن كل شراب و إن رقّ و صفا و عذب و حلا فليس بعوض عنه و لا مغن عنه، بل يطيب بمزاجه و يعذب بمخالطته حتى يجري في العروق بلطافته، و ينساب في المفاصل برقّته. مع خاصيته في ريّ الظمأ و إطفائه ضرام نار الحشا. و لولاه ما عرف فضل البستان على الجنان، و لكان و غيره سيّان. و لقد جعلته العرب مثلا فقال القطامي:
فهنّ ينبذن من قول يصبن به* * * مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
و قال آخر:
أمانيّ من سعدى عذاب كأنّما* * * سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
و ذكر أبو جعفر محبرة النديم [١] أنه حمل للموفق عند خروجه إلى الجبل من ماء دجلة ألف خماسية [٢]. فلما وافى همذان، وصف له ماؤها فشرب منه و استطابه و ترك ماء دجلة، و جعله شرابه.
و طلب [٣] الشعبي على مائدة قتيبة بن مسلم- و قد قيل غيره- ماء، فلم يدر
[١] محبرة النديم و اسمه محمد بن يحيى بن أبي عباد، و يكنى أبا جعفر، و اسم أبي عباد جابر بن يزيد بن الصباح العسكري من ندماء المعتضد العباسي ... (ابن النديم ٦٦).
[٢] في المختصر: خميسية.
[٣] يبدأ من هنا نقل المؤلف بصورة مختصرة قليلا لمادة موجودة في حيوان الجاحظ ٥: ١٣٧-