البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٥٢ - في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها
و اجتاز رجل من بني تميم برجل منهم و هو يغرس فسيلا. و كان الغارس شيخا. فقال له: كم أتى عليك من السنين أيها الشيخ؟ قال: قد جاوزت السبعين [١]. قال: فمثلك يعمل ما أرى؟ فأنشأ الشيخ يقول
اغرس فسيلا و نم عنه فسوف ترى* * * يوما فسيلك إن عمّرت عيدانا
فالعرق يسري إذا ما نام صاحبه* * * و ليس يسري إذا ما كان يقظانا
نغرس يا أخا تميم ما ترى. فإن عشنا أكلنا من تمره. و إن متنا خلفناه الأولاد. قال: إنك لبعيد الأمل. قال: اي و اللّه. إني لبعيد الأمل، خائف لقرب الأجل. و لست ممن يفرط في عمران دار لا يدري لعله سيطول مقامه فيها. و منها يتزود إلى الدار التي لا يدري متى يصير إليها. و لو أنّ من كان قبلنا أخذوا بمثل رأيك ما خلف الوالد لولده شيئا و لا ورث ميتا حيّ.
قال التميمي: فانصرفت عنه و غبرت برهة من الدهر ثم مررت بذلك المكان.
فرأيت نخلا عاليا مثمرا و آخر دونه. و إذا فتيان و أحداث، فقعدت إليهم و قلت [١٠٨ أ]: من غرس هذا النخل؟ قالوا: ذلك الشيخ. فأتيته فسلمت عليه ثم قلت:
أ تعرفني؟ فتأملني ثم قال: أحسبك صاحبنا المعنّف لنا على غرس ما ترى. قلت:
أنا و اللّه هو و أنشدته بيته. فعانقني و أقبل يحدثني و قال: إن اللّه فاعل ما يشاء. فلا يكونن خوفك ماحقا لرجائك و لا بأسك غالبا لطمعك. و إذا الفتيان بنوه و بنو بنيه.
فأقمت في ضيافته أياما و انصرفت.
و قال بعضهم: قرأت على باب قصر خراب [٢]:
كم قد توارث هذا القصر من ملك* * * فمات و الوارث الباقي على أثر
قال: و قرأت على باب مدينة خراب:
كم من مدائن بالآفاق خالية* * * أمست خرابا و ذاق الموت بانيها
[١] في المختصر: الستين.
[٢] المختصر: على قصر بالعقيق.