البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٣٦ - القول في مدينة السلام بغداد
و مروان بن محمد كان شيخ [بني] مروان و عضلتهم و شيخهم و ذا التجربة منهم. و كان ذاهنا فطنا و كان لذلك ينسب إلى الزندقة. و إنما سمي مروان الجعدي بالجعد بن درهم، رجل كان يرمى بالزندقة. و كان مؤدب مروان فيقولون إنه هو فتح له بابها و حمله عليها. و لم يزل مروان عاملا لخلفاء أهله من بني أمية على ثغر أرمينية دهرا طويلا يفتح الفتوح و يقارع [٥٧ أ] الأعداء.
و يروى أن المهدي سأل المنصور فقال: كيف كان يا أمير المؤمنين أمر مروان؟ فقال المنصور: للّه درّ مروان. ما كان أسوسه و أعفه و أشجعه. و لكن خانه أمناؤه و طووا الأخبار عنه. و لقد كان نصر بن سيار في ذلك الوقت فارس خراسان، فلم يزل ينصح و يكاتب ابن هبيرة و مروان لا يعلم بما هو فيه. فلما طال ذلك عليه قال شعرا فيه:
أرى تحت الرماد و ميض نار* * * و أوشك أن يكون لها ضرام
فقلت من التعجب ليت شعري* * * أ أيقاظ بني أميّة أم نيام
فلم ينفعه ذلك شيئا. فماطل ابن هبيرة نصر بن سيار حتى ذهب الفرع و الأصل. و كان أمر اللّه قدرا مقدورا.
و من الأسباب المؤكدة لصلاح موضع بغداد أن المنصور كان أحزم ملك و خليفة ولي منذ عهد معاوية إلى هذا الوقت. و قد جال الأرض فبلغ طنجة و أقام بالبصرة و دخلها غير مرة. و كان نزوله فيها على رجل يقال له أزهر السمان. و قد كان أيضا ولي كورة من كور الأهواز أيام بني أمية. و كان في أصحاب عبد اللّه بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب لمّا خرج على بني مروان، و بلغ معه إلى إصبهان.
فكان يحج و يجاور بمكة و يدخل الكوفة فيقيم بها أيضا. و جول بلدان الجزيرة و ديار بني ربيعة و مضر و كان مع أبيه و عمومته بالشراة و كان مع هذا طلّابة للأدب و العلوم محبا للسياسة بعيد الهمة. و كان جيد الرأي و التدبير. و تمثّل لما قتل أبا مسلم- و أراد بهذا البيت أنه لم يشاور أحدا-:
طوى كشحه عن أهل كلّ مشورة* * * و بات يناجي نفسه ثمّ صمّما