البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٢١٣ - ذكر الخورنق
و كان النعمان غزا الشام مرارا و أكثر المصائب في أهلها و سباهم، و كان من أشدّ الملوك نكاية، فجلس ذات يوم في مجلسه من الخورنق فأشرف على النّجف و ما يليه من البساتين و النخل و الجنان و الأنهار ممّا يلي المغرب، و على الفرات ممّا يلي المشرق، و الخورنق قصر بحذاء الفرات، يدور عليه في عاقول كالخندق، فأعجبه ما رأى من الخضرة و النور و الأنهار و الزهر، فقال لوزيره: رأيت مثل هذا المنظر؟ قال: لا، لو كان يدوم. قال: و ما الذي يدوم؟ قال: ما عند اللّه في الآخرة. قال: فبم ينال؟ قال: بتركك الدنيا و تعبد اللّه، و تلتمس ما عنده، فترك ملكه من ليلته و لبس مسوحه و خرج هاربا لا يعلم به أحد، و أصبح الناس لا يعلمون بحاله فحضروا بابه فلم يؤذن لهم ثلاثة، أيّام، فلمّا أبطأ الأذن سألوا عنه فلم يجدوه، ففي ذلك يقول عديّ بن زيد [١]:
و تبيّن ربّ الخورنق إذ أش* * * رف يوما و للهدى تفكير
سرّه حاله و كثرة ما يم* * * لك و البحر معرضا و السّدير
فارعوى قلبه و قال و ما غب* * * طة حيّ إلى الممات يصير
ثم صاروا كأنّهم ورق ج* * * فّ فألوت به الصّبا و الدّبور
و سمّي السّدير لأن العرب نظرت إلى سواد النخل فسدرت أعينهم أي تحيّرت فقالوا: ما هذا إلّا سدير.
و قال الكلبيّ: أوّل من بنى الخورنق بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف، و ذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد، و كان بهرام أصابه جن في صغره، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء فقالت الأطبّاء: لا يبرأ حتى تخرجه من أرضك إلى بلاد العرب، و يسقى أبوال الإبل و ألبانها، فوجّهه يزدجرد إلى النعمان و أمر ببناء الخورنق مسكنا له ليعالج فيه، فعولج فبرأ، فكان بهرام يكرم العرب و يركب الإبل و هو في الصّور التي تصوّرها العجم في أوانيها و بسطها و فرشها راكب بعيرا أبدا.
[١] الواقعة و الأبيات في الطبري ٢: ٦٧- ٦٨ مع اختلاف ببعض ألفاظ الأبيات.