البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٦٨ - افتخار الشاميّين على البصريّين و فضل الحبلة على النّخلة
يعجب به أهله، و يطمئنّون إليه في تقريظه، فقلت له مجيبا: لئن قلت ذلك فإنّا لا نعرف مصرا جاهليّا و لا إسلاميّا أفضل من البصرة، و لا أرضا يجري عليها الأتاوة أشرف من أرض الصّدقة، و لا شجرة هي أفضل من النخلة، و لا نعرف بلدا أقرب برّأ من بحر، و حضرا من بدو، و ريفا من فلاة، و ملّاحا من جمّال، و قانص وحش من صائد سمك، و نجدا من غور من البصرة، فهي واسطة الأرض، و غوصة البحر، و مغيض الأقطار، و قلب الدنيا، و لقد مثّلت الحكماء الأرض بصورة طائر، فجعلوا الجؤجؤ بما فيه من القلب البصرة، و الرأس الشام و الروم، و الجناحين المشرق و المغرب، و الذنب السودان، و هم أكثر عددا من البيضان، فكفى بهذا وحده فخرا، فقال أبو حمران:
كلّ فتاة بفتاها معجبه* * * و الخنفسى في عين أمّه لؤلؤه
و قالت الأعرابيّة و هي تزفّن ابنا لها و تقول:
يا قوم ما لي لا أحبّ حشوده* * * و كلّ خنزير يحبّ ولده
فأين أنت يا أخا البصرة عن خصب الشام و الجزيرة و عن فضل المسجد الأقصى و البلاد المقدّسة، و عن عذاة داري مصر و ربيعة، و عن رفيع قدر الكرمة و عن قول عمرو بن كلثوم:
و عند اللّه يأتيه دعاها* * * إلى أرض يعيش بها الفقير
لأرض الشام و هي حمّى و حبّ* * * و زيتون و ثمّ نشا العصير
و و اللّه للرقّة البيضاء وحدها أطيب من البصرة، و للرافقة أغذى من الأبلّة، و لحلب أخصب من الكوفة، و للخم و جذام و أفناء قبائل قضاعة أشرف من بكر و تميم و ضبّة، و للحبلة أفضل من النخلة، و للعنب أحلى من الرطبة، و للزبيبة أطيب من التمرة، و لقد خصّ اللّه بلاد الشام من بركة الزيتون، و العواصم و الجزيرة من لذّة التين و من أنواع الفواكه بما يتهالك في أصغره النخل، و يستبشع معه الرطب و التمر، قال: فقلت لأبي حمران: قد سمعنا نشيدك و وعينا افتخارك، و لا