البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٥٧ - القول في دمشق
الرّها، و مسجد دمشق. و لمدينة دمشق ستّة أبواب: باب الجابية، و باب الصغير، و باب كيسان، و باب الشرقيّ، و باب توما، و باب الفراديس، هذه التي كانت على عهد الروم و لمّا أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق دعا نصارى دمشق فقال: إنّا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، و نعطيكم موضع كنيسة حيث شئتم، فحذّروه ذلك و قالوا: إنّا نجد في كتبنا أنه لا يهدمها أحد إلّا خنق، فقال الوليد: فأنا أوّل من يهدمها. فقام عليها و عليه قباء أصفر فهدمها بيده و هدم الناس معه، ثم زاد في المسجد. فلمّا هدمها كتب إليه ملك الروم أنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقّا ما عملت فقد أخطأ أبوك، و إن كان باطلا فقد خالفت أباك، فلم يعرف الوليد جوابا فاستشار الناس و كتب إلى العراق فقال الفرزدق: أجبه يا أمير المؤمنين بقول اللّه جلّ و عزّ: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ- الآية إلى قوله- حُكْماً وَ عِلْماً فكتب إليه الوليد بذلك فلم يجبه.
و الوليد [١] ممّن زاد في المساجد و بناها، فبنى المسجد الحرام، و مسجد المدينة، و مسجد قبا، و مسجد دمشق، و أوّل من حفر المياه في طريق مكّة إلى الشام، و أوّل من عمل البيمارستانات للمرضى، و كان في ذلك أنه خرج حاجّا فمرّ بمسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فدخله فرأى بيتا ظاعنا في المسجد شارعا بابه فقال: ما بال هذا البيت؟ فقيل: هذا بيت عليّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) أقرّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ردم سائر أبواب أصحابه فقال: إن رجلا نلعنه على منابرنا في كلّ جمعة ثم نقرّ بابه ظاعنا في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من بين الأبواب، اهدم يا غلام. فقال روح بن زنباع الجذاميّ: لا تفعل يا أمير المؤمنين حتى تقدم الشام، ثم تخرج أمرك بتوسيع مساجد الأمصار مثل: مكّة، و المدينة، و بيت المقدس، و تبني بدمشق مسجدا فيدخل هدم بيت عليّ بن أبي طالب فيما يوسّع من مسجد المدينة. فقبل منه و قدم الشام و أخذ في بناء مسجد دمشق، و أنفق عليه خراج المملكة سبع سنين. ليكون ذكرا له، و فرغ من المسجد في ثماني سنين، فلمّا
[١] هو الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان حكم من (٨٦- ٩٦ ه-).