البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٣٩ - القول في المغرب
يشربون في الصيف من تلك الآبار لشدّة بردها.
و يروى عن عامر الشّعبيّ قال: إن اللّه جلّ و عزّ خلق خلقا خلف الأندلس ليس بينهم و بين الأندلس إلّا كما بيننا و بين الأندلس، لا يرون أن اللّه عصاه أحد، لا يحرثون، و لا يزرعون، و لا يحصدون، على أبوابهم شجر ينبت لهم ما يأكلون منه، و للشجرة أوراق عراض، يوصلون بعضها إلى بعض فيلبسونها، و في أرضهم الدرّ و الياقوت، و في جبالهم الذهب و الفضّة، فأتاهم ذو القرنين فخرجوا إليه فقالوا له: ما جاء بك، تريد أن تملكنا، فو اللّه ما ملكنا أحد قطّ، و إن كنت تريد المال فخذ. فقال: و اللّه ما واحدة من هاتين أريد، و لكن سألت ربّي أن يسيّرني فيما بين مطلع الشمس إلى مغربها، فهذا حيث جئتكم من المطلع قالوا: هذا المغرب عندك.
و بالأندلس نخل قليل، و بها زيتون كثير، و زيت و قطن و كتّان.
حديث البهت: فمن عجائب الأندلس، البهت، و هي المدينة التي في بعض مفاوزها، و لمّا بلغ عبد الملك بن مروان خبر هذه المدينة و أن فيها كنوزا، كتب إلى موسى بن نصير- و كان عامله على المغرب- يأمره بالمسير إليها، و دفع الكتاب إلى طالب بن مدرك، فسار حتى انتهى إلى مدينة القيروان، و موسى مقيم بها، فأوصل كتاب عبد الملك إليه فلمّا قرأه تجهّز و سار في ألف فارس من أبطال قومه و أشرافهم، و حمل معه من الزاد لأربعة أشهر، و من الماء لنفسه و أصحابه ما يكفيهم، و أخرج رجالا أدلّاء بذلك الطريق، فسار ثلاثة و أربعين يوما حتى انتهى إليها، فأقام ثلاثا حتى علم كنه علمه، ثم ارتحل إلى البحيرة، و كانت على ميلين من المدينة، و تفهّم أمرها ثم انصرف إلى القيروان، و كتب إلى عبد الملك بن مروان مع طالب بن مدرك، بسم الله الرحمن الرحيم: أصلح اللّه أمير المؤمنين صلاحا يبلغ به شرف الدنيا و الآخرة، أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهّزت لأربعة أشهر، و سرت في مفازة الأندلس في ألف رجل من أصحابي، حتى أوغلت في طرق قد انطمست و مناهل قد اندرست و عفت فيها الآثار، و انقطعت عنها الأخبار، أحاول بلوغ مدينة لم ير الراءون مثلها و لم يسمع السامعون بمثلها، فسرنا ثلاثة