البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٢٠ - القول في مصر و النيل
مصر بوادي مهران و هو وادي السند و من هناك أتاه. و بمصر من العجائب الفرس الذي يكون في النيل يأكل التماسيح و غيره من الدوابّ و يربّي هذا الفرس إذا كان فلوا في البيوت مع النساء و الصبيان و في سنّه شفاء من وجع المعدة. و النوبة و الحبشة تتعالج به لأنهم يأكلون الأطعمة الغليظة فيشرفون على الموت من وجع المعدة فيأخذون سنّ هذا و يتعالجون به فيبرؤون و أعفاجه تبرئ من الجنون الذي يأخذ في الأهلّة. و من عجائب النيل دابّة تسمّى ذا القرن تكون في النيل على أنفها مثل السيف الحادّ تقطع الصخرة إذا ضربتها و ربّما قتلت به الفيل.
و أهل مصر يعدّون النيل من أحد عجائبهم و ذلك أنه مخالف لجميع الأودية التي عليها ضبع العالم و كلّ سرب و مغيض فإنّما استقباله من ناحية الشمال و ليس النيل كذلك لأن مجراه من ناحية الجنوب و ليست التماسيح في شيء من هذه الأودية المعروفة لا ترى بالفرات و لا دجلة و لا سيحان و لا جيحان و لا نهر بلخ، و لا فيها من الفساد و الدواب الخبيثة، و شرب أهل مصر في البواقيل [١]،
و قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «تغور المياه كلّها و ترجع إلى أماكنها، إلّا نهر الأردنّ و نيل مصر و الحجرات و عرفات و منا».
و قال ابن الكلبيّ: إذا طلع العيّوق غارت المياه كلّها و نقصت إلّا نيل مصر، و يمتدّ النيل لسبع من أيّار. و قال عبد اللّه بن عمرو: نيل مصر سيّد الأنهار، سخّر اللّه له كلّ نهر بين المشرق و المغرب، فإذا أراد اللّه أن يجريه أمر كلّ نهر أن يمدّه، فأمدّته الأنهار بمائها، فإذا فجّر اللّه به الأرض عيونا و انتهى من جريته إلى ما أراد اللّه، أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى كلّ ماء أن يرجع إلى عنصره، و في الخبر أربعة أنهار من الجنّة: النيل، و الفرات، و سيحان، و جيحان.
و قال بعضهم: النيل يخرج من خلف خطّ الاستواء من بحيرتين يقال لهما بحيرتا النيل، و هو يطيف أرض الحبشة و يجيء فيمرّ بين بحر القلزم- و هو بحر الفرما- و بين المفازة، فيجيء فيصبّ بدمياط، و يخرج إلى البحر الروميّ المغربيّ، و دمياط على البحر الروميّ المغربيّ. و قال أبو الخطّاب: قال المشتري ابن الأسود: غزوت بلاد أنبية عشرين غزاة، من السوس الأقصى، فرأيت النيل بينه و بين البحر الأجاج
[١] جمع باقول، و هو الكوب (أساس البلاغة، بقل).