المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥ - عقد الخليفة القائم بأمر اللَّه على خديجة بنت أخي طغرلبك
العزيزة، فقال: السمع و الطاعة. و مضت والدة الخليفة إلى دار المملكة، و أرسلت خاتون بورودها، فانحدرت بها و دخلا باب الغربة وقت العتمة، و دخل معها عميد الملك فقبّل الأرض، و قال: الخادم ركن الدين قد امتثل المراسم العالية في حمل الوديعة، و سأل فيها كرم الملاحظة و اجتناب الضيعة. ثم انصرفوا فقبّلت الجهة الأرض دفعات عدة، فأدناها إليه، و قرّبها منه، و أجلسها معه [١] إلى جنبه، و طرح عليها فرجية منظومة [٢] بالذهب، و تاجا مرصعا بالجوهر، و أعطاها من الغد [٣] مائة ثوب ديباجا و قصبا مذهبا، و طاسة من ذهب قد نبت فيها الياقوت و الفيروزج، و أفرد لها من إقطاع دجلة اثني عشر ألف دينار.
و في هذا الوقت غلت الأسعار، فبلغ الكر الحنطة- و قد كان يساوي نيفا و عشرين دينارا- تسعين دينارا، و تعذر التبن حتى كان يباع الكساء من التبن بعشرة قراريط، و انقطعت الطريق من القوافل للنهب المتدارك، و كان أهل النواحي يجيئون بأموالهم مع الخفر فيبيعونها ببغداد مخافة النهب، و لحق الفقراء و المتجملين من معاناة الغلاء ما كان سببا للوباء و الموت حتى دفنوا بغير غسل و لا تكفين، و كان الناس يأكلون الميتة، و بيع اللحم رطلا بقيراط، و أربع دجاجات بدينار، و نصف قفيز أرز بدينار، و مائة كراثة بدينار، و مائة أصل خس بدينار، و عدمت الأشربة [٤] فبلغ المن من الشراب/ دينارا، ٣/ ب و المكوك من بزر البقلة سبعة دنانير، و السفرجلة، و الرمانة دينارا، و الخيارة و النيلوفرة دينارا، و اغبر الجو، و فسد الهواء، و كثر الذباب، و وقع الغلاء و الموت بمصر أيضا، و كان يموت في اليوم ألف نفس، و عظم ذلك في رجب و شعبان، حتى كفن السلطان من ماله ثمانية عشر ألف إنسان، و حمل كل أربعة و خمسة في تابوت، و باع عطار في يوم ألف قارورة فيها شراب، و عمّ الوباء و الغلاء مكة، و الحجاز، و ديار بكر، و الموصل، و خراسان، و الجبال، و الدنيا كلها.
[١] «معه» سقطت من ص، ت.
[٢] في الأصل: «مطمومة».
[٣] في ص: «من غد».
[٤] في الأصل: «الأدوية».