المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥١ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و اربعمائة
فلما جاء وقت العصر جاء عميد الملك فأخبر السلطان بعد أن استأذن له الخليفة، فركب فلما وقعت عينه على السرادق نزل عن فرسه و مشى إلى أن وصله، فدخل فقبّل الأرض سبع مرات، فأخذ الخليفة مخدة من دسته فطرحها له بين يديه، و قال: اجلس.
فأخذ المخدة فقبّلها، ثم تركها و جلس عليها، و أخرج من قبائه الجبل الياقوت الأحمر الّذي كان لبني بويه، فطرحه بين يديه، و أخرج اثنتي عشرة حبة لؤلؤا كبارا مثمنة، فقال:
أرسلان خاتون- يعني زوجة- الخليفة تخدم و تسأل أن تسبح بهذه السبحة، فقد أنفذتها معي، و كان يكلم عميد الملك و هو يفسره، و اعتذر عن تأخره عن الورود إلى الحضرة الشريفة و استخلاص المهجة الكريمة بما كان من [عصيان] [١] أخيه/ إبراهيم، و قال: ٢٧/ ب كان من الإخوة الحسدة، و قد جرت له بالعصيان عوائد عفوت عنه فيها، فأطمعه ذلك، فلما عاد فعله بالضرر على أمير المؤمنين و الدين و الدولة العباسية خنقته بوتر قوسه، و شفع ذلك وفاة الأخ الأكبر داود، فأحوجني الأمر إلى [ترتيب حتى] [٢] رتبت أولاده مكانه، فلم يمكن أن أصمد لهذه الخدمة، ثم أعددت لأصل إلى الحديثة، و أخدم المهجة الشريفة، فوصل إليّ الخبر بما كان من تفضل اللَّه تعالى في خلاصها و خدمة هذا الرجل- يعني مهارشا- بما أبان عن صحيح ديانته، و صادق عقيدته، و أنا إن شاء اللَّه أمضي وراء هذا الكلب- يعني البساسيري- و أقتنصه و أيمم إلى الشام، و أفعل بصاحب مصر فيها ما يكون جزاء لفعل البساسيري هاهنا.
فدعا له الخليفة و شكره و قلّده بيده سيفا كان إلى جنبه، و قال: إنه لم يسلم مع أمير المؤمنين وقت خروجه غير هذا السيف، و قد تبرك به، و شرّفك بتقليده. فتقلده و قبّل الأرض، و نهض و استأذن للعسكر فأذن، فدخل الأتراك من جوانب السرادق، و كشفت أغطية الخركاه المضروبة على الخليفة حتى شاهدوه و خدموه و انصرفوا، و وقع المسير من غد و الدخول إلى بغداد.
و تقدم الخليفة بضرب خيمة في معسكر السلطان و قال: أريد أن أكون معه إلى أن يكفي اللَّه من أمر هذا اللعين، فما تأمن الخدمة الشريفة المقام في مكان لا يكون فيه.
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.