المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٣ - قدوم أبي حامد الغزالي للتدريس بالنظاميّة
نوبته، و كتب السلطان إلى الخليفة يشكو منه، فصادف ذلك ضجرا من الخليفة من أفعاله التي تصدر عن قلة رغبة في الخدمة، فعزله و كان يكسر أعراض الديوان و العسكر متابعة للشرع، حتى إنه لما فتحت سمرقند على يدي ملك شاه جاء البشير/ فخلع عليه ١٤١/ أ فقال: و أي بشارة هذه، كأنه قد فتح بلدا من بلاد الكفر، و هل هم إلا قوم مسلمون استبيح منهم ما لا يستباح من المسلمين. فبلغ هذا السلطان مع ما في قلب الخليفة فعزله و هو في الديوان، فانصرف إلى داره على حالته مع حواشيه، و أنشد حينئذ:
تولاها و ليس له عدو * * * و فارقها و ليس له صديق
فلما كان يوم الجمعة عاشر الشهر: خرج إلى الجامع من داره بباب المراتب ماشيا متلفعا بمنديل من قطن مع جماعة من العلماء و الزهاد، فعظمت العامة ذلك و شنعوا، و قال الأعداء: إنما قصد الشناعة، فأنكر عليه أشد الإنكار، و ألزم منزله، و أخذ الجماعة الذين مشوا معه فأهينوا، ثم وردت كتب النظام بأن يخرج من بغداد فأخرج إلى در أورد و هو موطنه قديما، فأقام هناك مدة، ثم استأذن في الحج فأذن له، فجاء إلى النيل فأقام بها، فلم تطب له لكثرة منكرها، فمضى [١] إلى مشهد علي (عليه السلام)، ثم سافر إلى مكة، فلما أراد الخروج إلى مكة صلحت له نية نظام الملك، فبعث إليه يقول: أنا أسألك أن أكون عديلك، و كان النظام قد استعد ذلك، لكن لم يقدر له، فقال للرسول:
تخدم عني و تقول منذ أطبق دواتي أمير المؤمنين لم أفتحها، و لو لا ذلك لكتبت الجواب، و أنا أعادل بالدعاء، و ناب ابن الموصلايا، و لقب: أمين الدولة، و خلع عليه، و تقدم إلى أبي محمد التميمي، و يمن الخادم بالخروج إلى باب السلطان لاستدعاء أبي ١٤١/ ب منصور بن جهير، و تقرير وزارته.
و في خامس عشرين رمضان: رضي الخليفة عن أبي بكر الشامي قاضي القضاة، و خرج إليه توقيع يأمره فيه بالإغضاء عما كان من الشهود و الوكلاء في حقه، كانوا قد بالغوا في عداوته، و خرج الشهود في صحبته لتلقي السلطان مع ابن الموصلايا، و معه فتيت لإفطاره، و لم يقبل من أحد شيئا [٢].
[١] في الأصل: «فجاء إلى مشهد»
[٢] في ص: «و لم يقبل ما يحمل إليه»