المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣ - ٣٣٤٤- أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان، أبو العلاء التنوخي المعري
فما] [١] تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان، فإن كان الخالق الّذي دبر ذلك فما أنت بأرأف منه، و ان كانت الطبائع المحدثة لذلك، فما أنت بأحذق منها و لا أنقص عملا منك.
قال المصنف رحمه اللَّه: و قد كان يمكنه أن لا يذبح رحمة، فأما ما قد ذبحه غيره فأي رحمة قد بقيت في ترك أكله، و كانت أحواله تدل على اختلاف عقيدته.
و قد حكي/ لنا عن أبي زكريا أنه قال: قال لي المعري: ما الّذي تعتقد؟ فقلت ١٢/ ب في نفسي: اليوم أعرف اعتقاده. فقلت: ما أنا إلا شاك. فقال: هكذا [٢] شيخك. و كان ظاهر أمره يدل أنه يميل إلى مذهب البراهمة، فإنّهم لا يرون ذبح الحيوان، و يجحدون الرسل و قد رماه جماعة من أهل العلم [٣] بالزندقة و الإلحاد، و ذلك أمره ظاهر في كلامه و أشعاره، و أنه يرد على الرسل و يعيب الشرائع، و يجحد البعث.
و نقلت من خط أبي الوفاء ابن عقيل أنه قال: من العجائب أن المعري أظهر ما أظهر من الكفر البارد الّذي لا يبلغ منه مبلغ شبهات الملحدين، بل قصر فيه كل التقصير، و سقط من عيون الكل، ثم اعتذر بأن لقوله باطنا، و أنه مسلم في الباطن، فلا عقل له و لا دين، لأنه تظاهر بالكفر و زعم أنه مسلم في الباطن، و هذا عكس قضايا المنافقين و الزنادقة، حيث تظاهروا بالإسلام و أبطنوا الكفر، فهل كان في بلاد الكفار حتى يحتاج إلى أن يبطن الإسلام، فلا أسخف عقلا ممن سلك هذه الطريقة التي هي أخس من طريقة الزنادقة و المنافقين، إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة، و الزنديق يطلب النجاة في الدنيا، و هو جعل نفسه عرضة لإهلاكها [٤] في الدنيا حين طعن في الإسلام في بلاد الإسلام، و أبطن الكفر، و أهلك نفسه في المعاد، فلا عقل له و لا دين.
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] في ص: «هذا».
[٣] في ص: «من العلماء».
[٤] في ص: «إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة لا هلاكها في الدنيا».
و في ت: «إذا كان المتدين يطلب النجاة في الدنيا و قد جعل نفسه عرضة لإهلاكها ...».