المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣٤ - ٣٤٠٧- أحمد/ بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب
معرفة حسنة بالرجال و المتون، غزير الديانة، سمع أبا الحسين بن المهتدي، و جابر بن ياسين، و ابن النقور و غيرهم، و قال الحق، فإن الحاكم كان متشيعا ظاهر التشيع، و الآخران كانا يتعصبان للمتكلمين و الأشاعرة، و ما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن ٦٧/ أ الحديث جاء في ذم الكلام، و قد أكد الشافعيّ في هذا حتى/ قال: رأيي في أصحاب الكلام [١] أن يحملوا على البغال و يطاف بهم.
و كان للخطيب شيء من المال، فكتب إلى القائم بأمر اللَّه: إني إذا مت كان مالي لبيت المال، و إني أستأذن أن أفرقه على من شئت. فأذن له ففرقه على أصحاب الحديث، و كان مائتي دينار، و وقف كتبه على المسلمين، و سلمها إلى أبي الفضل، فكان يعزها، ثم صارت إلى ابنه الفضل فاحترقت في داره.
و وصى الخطيب أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب، و كان يقول: شربت ماء زمزم لثلاث [٢]: على نية أن أدخل بغداد، و أروي بها التاريخ، و أن أموت بها و أدفن إلى جنب [٣] بشر بن الحارث، و قد رزقني اللَّه تعالى دخولها، و رواية التاريخ بها، و أنا أرجو الثالثة، و أوصى أن يدفن إلى جانب بشر.
توفي ضحوة نهار يوم الاثنين سابع ذي الحجة من هذه السنة في حجرة كان يسكنها بدرب السلسلة في جوار المدرسة النظامية، و حمل جنازته أبو إسحاق الشيرازي، و عبر به على الجسر، و جازوا به في الكرخ [٤]، و حمل إلى جامع المنصور، و حضر الأماثل و الفقهاء و الخلق الكثير، و صلى عليه أبو الحسين بن المهتدي، و دفن إلى جانب بشر، و كان أحمد بن علي الطريثيثي قد حفر هناك قبرا لنفسه، فكان يمضي إلى ذلك الموضع و يختم فيه القرآن عدة سنين، فلما أرادوا دفن الخطيب هناك منعهم، و قال: هذا قبري أنا حفرته و ختمت فيه القرآن عدة دفعات [٥] و لا أمكنكم. فقال له أبو
[١] في الأصل: «الحديث».
[٢] «لثلاث» سقطت من ص، ت.
[٣] في ص: «أدفن بجنب».
[٤] في الأصل: «و عبر به على الكرخ و جاوز به في الجسر».
[٥] في ص: «و ختمت فيه ختمات».