الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٩٥ - سرية دعوة، أم سرية حرب؟
و هي من الأمور التي ربما يكون المراد منها ترتيب الأوضاع فيما يرتبط بالأساليب العامة، التي يراد لها أن تهيمن على حركة الواقع، وفق الضوابط الدينية و الإيمان. .
و قد دلت هذه الوصية: على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يتصرف بصورة انفعالية و متشنجة، فلم يطلب من أصحابه أن يغيروا على الناس هناك، و يوقعوا بهم، و لا أن يقتلوا، و يأسروا، و يغنموا. بل هو قد أمرهم بالدعوة إلى اللّه سبحانه و تعالى، وفق المقررات التي تقدمت، مع ملاحظة ما يلي:
أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب من أصحابه أن يبدأوا حركتهم من ذلك الموضع الذي تعرض فيه أحد المؤمنين لأفحش الظلم، حيث قتل صبرا بحد السيف. و هذا من شأنه أن يزيد أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» بصيرة في أمرهم، و يفرض عليهم أن يتعاملوا مع الأمور بروح المسؤولية، و الإنصاف، و الانضباط، ضمن الحدود، و الأحكام الشرعية. إذ لا مجال للانفعال، و العبثية، و لا مكان للظلم و التعدي في حركة الإنسان المسلم. .
ثانيا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما طلب منهم أن يدعوا من يجدونه في ذلك الموضع إلى الإسلام، و لم يحدد لهم فئة و لا أشخاصا بأعينهم، و لم يذكر لهم اسم شرحبيل بن عمرو الغساني، ربما لعلمه «صلى اللّه عليه و آله» أنهم لن يصادفوه هناك، حيث سيكون في ضمن جيش الروم، كما أنه يريد أن يبعد القضية عن أجواء الانتقام من الأشخاص، و عن حدود النظرة الضيقة، لتصبح قضية قيم و مبادئ، يراد لها أن تكون هي المهيمنة على سلوك الناس، و على قراراتهم، و مواقفهم، و كل حياتهم. .