نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤ - نظرة عامّة للرسالة
يوافق الإمام عليه السلام على أن تكون الخلافة من بعد الإمام له.
الثالث: أنّه اتّهم الإمام عليه السلام بالمشاركة في قتل عثمان وادّعى المطالبة بثأره والانتقام من قاتله.
فكتب إليه الإمام عليه السلام جواباً على ذلك يقول:
«أمّا بعد، فإِنَّ الدُّنيَا حُلوَةٌ خَضِرَةٌ ذَاتُ زِينَةٍ وَبَهجَةٍ، لَمْ يَصْبُ إِلَيهَا أَحَدٌ إِلّا شَغَلَتْهُ بِزِينَتِها عَمَّا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنهَا وَبِالآخِرةِ أُمِرنا، وَعَلَيهَا حُثِثنا فَدَعْ، يا مُعاوِيةُ، مَا يَفْنى اعْمَلْ لِمَا يَبقى، واحْذَرْ المَوْتَ الَّذِي إِلَيهِ مَصِيرُكَ، وَالحِسابَ الَّذِي إِلَيهِ عَاقِبتُكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ- تَعَالى- إِذا أَرَدا بِعَبْدٍ خَيْراً حَالَ بَينهُ وَبَينَ مَا يَكْرَهُ، وَوَفَّقَهُ لَطَاعَتِهِ، إِذا أَرَدا بِعَبْدٍ سُوءاً أَغْرَاهُ بِالدُّنيَا، وَأَنسَاهُ الآخِرةَ، وَبَسَطَ لَهُ أَمَلَهُ، وَعَاقَّهُ عَمَّا فِيهِ صَلاحُهُ وَقَدْ وَصَلَنِي كِتابُكَ فَوَجَدْتُكَ تَرْمِي غَيرَ عَرَضِكَ، وَتَنْشُدُ غَيرَ ضَالَّتِكَ، وَتَخْبِطُ فِي عَمَايَةٍ وَتَتِيهُ فِي ضَلالَةٍ وَتَعْتَصِمُ بِغَيرَ حُجَّةٍ، وَتَلُوذُ بِأَضْعَفِ شُبهَةٍ فَأَمَّا سُؤالِكَ إِلَيَّ المُتارَكَةَ وَالاقرارَ لَكَ عَلَى الشَّامِ، فَلَو كُنْتُ فَاعِلًا ذَلِكَ اليَومَ لَفَعَلتُهُ أمسِ، وَأَمَّا قَولُكَ: إِنَّ عُمَرَ وَلّاكَها، فَقَدْ عَزَلَ مَنْ كَانَ وَلّاهُ صَاحِبُهُ، وَعَزَلَ عُثمَانُ مَن كَانَ عَمَرُ وَلّاهُ وَلَمْ يُنصَب لِلنَّاسِ إِمامٌ اءِلّا مِنْ صَالِحِ الأُمَّةِ مَا قَدْ كَانَ ظَهَرَ لِمَنْ كَانَ قَبلَهُ، أَو خَفِي عَنْهُم عَيبُهُ، والأمرُ يَحْدُثُ بَعْدَهُ الأَمرُ، وَلِكُلِّ وَالٍ رأَي واجتِهادٌ ...» [١].
وما ذكره السيّد الرضي في نهج البلاغة يمثّل المقطع التالي من هذه الرسالة.
وعلى أية حال بالإمكان تقسيم ما ورد من الرسالة في نهج البلاغة إلى قسمين:
الأوّل: توبيخ معاوية بسبب اتباعه لهوى النفس وتجاهله الحقائق الموضوعية وإنكاره العهود الإلهيّة.
والثاني: الجواب عن ادّعاءات معاوية في المطالبة بدم عثمان ومطالبته الإمام عليه السلام بتسليم قاتله.
[١]. تمام نهج لبلاغة، ص ٨٣٨؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٦، ص ١٥٣.